وَقَدْ كَانَ الْعَمَلُ عَلَى إِفَادَةِ طُلَّابِ الْعِلْمِ وَرِوَايَةِ الْحَدِيثِ مِنْ أَهَمِّ الْأَسْبَابِ الَّتِي دَفَعَتِ ابْنَ بَطَّةَ إِلَى الْعُزْلَةِ وَالْعُكُوفِ عَلَى التَّدْرِيسِ حَتَّى لَا تَتَشَتَّتَ جُهُودُهُ فِي أَغْرَاضٍ أُخْرَى تَصْرِفُهُ عَنْ عُلُومِهِ وَتَلَامِيذِهِ, وَرُبَّمَا كَانَ يَدْفَعُهُ إِلَى ذَلِكَ رَوْحُ التَّدَيُّنِ الْغَالِبَةُ عَلَيْهِ حَتَّى كَانَ صَوَّامًا قَوَّامًا مَعْرُوفًا بِالنُّسُكِ وَالْعِبَادَةِ, وَمَعَ ذَلِكَ فَرُبَّمَا كَانَ أَيْضًا مِنْ دَوَافِعِهِ إِلَى الْعُزْلَةِ مَا شَاعَ مِنَ الْمَظَالِمِ عَلَى أَيْدِي السَّلَاطِينِ فِي عَصْرِهِ حَتَّى لَمْ يَنْجُ مِنْهَا الْعُلَمَاءُ فَنَجَا بِنَفْسِهِ فِي عُزْلَتِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ تِلْمِيذُهُ ابْنُ شِهَابٍ كَمَا رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي يَعْلَى (1) "قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ بَيْنَ العِشَائَيْنِ وَهُوَ مُتَوَارٍ, فَقَالَ لِي: إِنَّنِي أَشْرَبُ مَاءَ الْبِئْرِ, وَقَدْ كَانَ اخْتَفَى لِأَمْرٍ طَغَى وَأَظُنُّهُ مِنَ السُّلْطَانِ وَدُفِعَ إِلَى كِتَابِ الْعُزْلَةِ".
وَقَدْ أَلَّفَ اِبْنُ بَطَّةَ مُؤَلَّفَاتِهِ الْعِلْمِيَّةَ خِلَالَ هَذِهِ الْفَتْرَةِ, وَظَلَّ كَذَلِكَ مُعْتَزِلًا لَمْ يَشْغَلْ نَفْسَهُ بِأُمُورِ الدُّنْيَا, وَلَمْ يَلِ مِنْ أَمْرِ السُّلْطَانِ شَيْئًا بَلْ ظَلَّ مُقْبِلًا عَلَى التَّأْلِيفِ وَالتَّدْرِيسِ حَتَّى وَافَاهُ أَجَلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
مَجْلِسُهُ لِلدَّرْسِ وَالتَّأْلِيفِ