أَمَّا كَيْفَ كَانَتْ مَجَالِسُ ابْنِ بَطَّةَ لِلدَّرْسِ وَالتَّأْلِيفِ, فَقَدْ مَرَّ مَعَنَا الْقَوْلُ بِأَنَّ ابْنَ بَطَّةَ قَدْ لَازَمَ بَيْتَهُ - بَعْدَ عَوْدَتِهِ مِنْ رِحْلَتِهِ - بَقِيَّةَ حَيَاتِهِ, وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ اِنْقَطَعَ لِلتَّدْرِيسِ فِي بَيْتِهِ, وَكَانَ لَهُ مَجْلِسٌ فِي مَسْجِدِ عُكْبَرَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ, فَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي يَعْلَى فِي طَبَقَاتِهِ (1)
وَسَمِعْتُ مَنْ يَذْكُرُ أَنَّهُ كَانَ يَجْلِسُ فِي مَجْلِسِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْقِبْلَةِ وَالنَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَكَانَ يَتَطَيْلَسُ بِإِزَارٍ مُرَبَّعٍ عَلَى رَأْسِهِ فَرُبَّمَا اِسْتَنْكَرَ شَيْئًا يَظْهَرُ مِنْ حَلْقَتِهِ مِنْ حَدِيثٍ أَوْ نَحْوِهِ فَيُومِئُ فَيَقُولُ: أَحْسِنُوا الْأَدَبَ فَيَحْتَشِمُ اَلنَّاسُ عَنْ ذَلِكَ وَيَكُفُّونَ.
وَكَانَ يُسَافِرُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ إِلَى بَغْدَادَ لِلتَّدْرِيسِ بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ فِيهَا, فَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي يَعْلَى فِي طَبَقَاتِهِ (2) أَيْضًا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ بَطَّةَ وَقَدْ صَلَّى صَلَاةَ الْجُمُعَةِ بِبَغْدَادَ أَوْ فِي مَسْجِدِ الْمَنْصُورِ وَخَرَجَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَمَشَى فِي الصَّحْنِ الَّذِي يَلِي الْمِنْبَرِ فَقَالَ النَّاسُ فِي الرِّوَاقِ وَمَا يَلِيهِ: ابْنُ بَطَّةَ ابْنُ بَطَّةَ فَرَأَيْتُ النَّاسَ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ.
وَفِي هَذِهِ الْمَجَالِسِ الَّتِي كَانَ يَعْقِدُهَا ابْنُ بَطَّةَ تَمَكَّنَ الْعُلَمَاءُ وَطَلَبَةُ الْعِلْمِ مِنَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ.
وَفَاتُهُ