وَهَكَذَا كَانَ شَأْنُ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ فَإِنَّهُمْ يَجْذِبُونَ النَّاسَ بِسُلُوكِهِمْ وَتَدَيُّنِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَجْذِبُوهُمْ بِعُلُومِهِمْ وأَلْسِنَتِهُمْ.
وَقَدْ كَانَ ابْنُ بَطَّةَ مَعْرُوفًا بِلِيِنِ الطَّبْعِ وَرِقَّةِ الْحَاشِيَةِ وَحُبِّ الْخَيْرِ لِلنَّاسِ وَحِرْصِهِ عَلَى مَوْعِظَتِهِمْ وَيَكْفِي أَنْ تُطَالِعَ مَا كَتَبَهُ فِي الْإِبَانَةِ الْكُبْرَى, فَتَرَاهُ يَفْتَتِحُ كُلَّ جُزْءٍ مِنْهُ, بِعِبَارَاتِهِ الرَّقِيقَةِ الْمُؤَثِّرَةِ الَّتِي تُشِعُّ بِالرَّحْمَةِ وَتَنْبِضُ بِحُبِّ الْخَيْرِ لِلْآخَرِينَ, وَالْحِرْصِ عَلَى مَوْعِظَتِهِمْ وَإِبْدَاءِ النُّصْحِ لَهُمْ, فَهُوَ لَا يَفْتَتِحُ بَابًا أَوْ يَبْدَأُ فَصْلًا إِلَّا وَيَسْتَهِلُّهُ بِأُسْلُوبٍ رَقِيقٍ مُؤِّثِرٍ. وَرَغْمَ قِلَّةِ الصَّفَحَاتِ الَّتِي كُتِبَتْ عَنْ حَيَاةِ ابْنِ بَطَّةَ فَقَدْ تَضَمَّنَتِ الْحَدِيثَ الْحَسَنَ عَنْ سِيرَتِهِ وَأَخْلَاقِهِ, مَعَ اتِّبَاعِهِ الْكَامِلِ لِسُنَّةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَالْتِزَامِهِ الْجَادِّ بِمَبَادِئِ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ, إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النُّعُوتِ الَّتِي هِيَ جَدِيرَةٌ أَنْ تَكُونَ أَوْصَافًا لِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُقَرَّبِينَ مِنْ عِبَادِهِ.