رَأَيْنَا مِنْ قَبْلُ أَنَّ ابْنَ بَطَّةَ بَدَأَ الرِّحْلَةَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ وَهُوَ صَغِيرٌ لَمْ يَتَجَاوَزْ سِنُّهُ الْحَادِيَةَ عَشَرَةَ وَذَلِكَ فِي رِحْلَتِهِ مِنْ عُكْبَرَا إِلَى بَغْدَادَ حَيْثُ سَمِعَ مُعْجَمَ ابْنِ مَنِيعٍ وَأَنْفَقَ الْمَالَ فِي سَبِيلِ ذَلِكَ حَتَّى تَمَكَّنَ مِنَ الِاسْتِمَاعِ إِلَى هَذَا الْمُعْجَمِ , وَرَأَيْنَا كَيْفَ أَنَّ ابْنَ بَطَّةَ لَمْ يَقْتَنِعْ بِالرِّحْلَاتِ الْقَرِيبَةِ اَلَّتِي قَامَ بِهَا فِي صِبَاهُ إِلَى بَغْدَادَ بَلْ تَعَدَّتْ ذَلِكَ إِلَى أَقَالِيمَ كَثِيرَةٍ وَأَمْصَارٍ شَتَّى, وَقَدْ كَانَ هَذَا دَيْدَنَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ, وَأُرِيِدُ أَنْ نَأْخُذَ مِنْ هَذَا دَلَالَةً عَلَى أَنَّ ابْنَ بَطَّةَ كَانَ لِاشْتِغَالِهِ بِالْحَدِيثِ بِصِفَةٍ خَاصَّةٍ كَانَ بَدَأَ لِاشْتِغَالِهِ بِالْعِلْمِ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ, وَأَنَّ اشْتِغَالَهُ بِالْحَدِيثِ اِسْتَغْرَقَ شَطْرًا كَبِيرًا مِنْ حَيَاتِهِ الْعِلْمِيَّةِ طَلَبًا لَهُ وَكِتَابَةً فِيهِ مَعَ تَدْرِيسِهِ وَرِوَايَتِهِ وَهَذَا أَمْرٌ يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ عِلْمِهِ فِيهِ وَتَبَحُّرِهِ فِي عُلُومِهِ, فَإِذَا أَضَفْنَا إِلَى ذَلِكَ ذِكْرَ شُيُوخِهِ فِي الْحَدِيثِ وَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ مَنْ قَدَمٍ رَاسِخَةٍ وَاطِّلَاعٍ وَاسِعٍ فَإِنَّنَا نُضِيفُ سَبَبًا آخَرَ مَنْ أَسْبَابِ أَصَالَةِ ابْنِ بَطَّةَ فِي هَذَا الْجَانِبِ مِنْ جَوَانِبِهِ اَلثَّقَافِيَّةِ, وَهَؤُلَاءِ الشُّيُوخِ اَلَّذِينَ أَخَذَ ابْنُ بَطَّةَ الْحَدِيثَ عَنْهُمْ كَانُوا أَئِمَّةَ هَذَا الْفَنِّ فِي عَصْرِهِمْ أَمْثَالُ: ابْنِ أَبِي دَاوُدَ وَابْنِ الْيَاغَنْدِي وَالْبَغَوِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ فُحُولِ الْمُحَدِّثِينَ وَقَدْ رَوَى ابْنُ بَطَّةَ كَتَبَ كَثِيرٍ مِنْ هَؤُلَاءِ بِسَنَدِهِ لَكِنَّ الْكَثِيرَ مِنْهَا قَدْ