وَقَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ"وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - كَلَامٌ نَحْوَ هَذَا وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْحَدِيثِ وَالْآثَارِ يَذْكُرُونَهُ فِي الْكُتُبِ اَلَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا هَذِهِ الْآثَارُ كَمَا يَذْكُرُ مِثْلَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ فِيمَا يُصَنِّفُونَهُ فِي اَلسُّنَّةِ مِثْلُ ابْنِ بَطَّةَ وَالْلَالُكَائِي وَالطَّلْمَنْكِيِّ وَقَبْلُهُمُ الْمُصَنِّفُونَ فِي السُّنَّةِ كَأَصْحَاب أَحْمَدَ" (1) .
كَمَا أَنَّنَا نُلَاحِظُ فِي هَذَا الْجَانِبِ أَنَّ ابْنَ بَطَّةَ لَا يَكْتَفِي بِأَنْ يَسُوقَ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقٍ وَاحِدٍ فَقَطْ , بَلْ إِنَّ عَامَّةَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي اسْتَشْهَدَ بِهَا فِي كِتَابِهِ"الْإِبَانَةِ الْكُبْرَى"قَدْ سَاقَهَا فِيهِ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ, وَلَمْ يَقْتَصِرْ فِي أُسْلُوبِهِ هَذَا عَلَى الْأَحَادِيثِ فَقَطْ بَلْ إِنَّهُ اتَّبَعَ ذَلِكَ أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ لِلْآثَارِ, وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْأُسْلُوبَ فِي اَلرِّوَايَةِ يُعْطِي النُّصُوصَ قُوَّةً سِيَّمَا إِذَا كَانَ فِي بَعْضِهَا ضَعْفٌ يَسِيرٌ, فَإِنَّ تِلْكَ اَلطُّرُقَ قَدْ تَرْتَقِي بِهَا إِلَى دَرَجَةِ الْقَبُولِ.
وَقَدْ اِعْتَنَى الْعُلَمَاءُ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ بَطَّةَ وَاسْتَدَلُّوا بِهِ, خَاصَّةً فِيمَا يَرْوِيهِ فِي بَابِ الْعَقِيدَةِ, وَمِنْ هَؤُلَاءِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ فِي كُتُبِهِ وَرَسَائِلِهِ, كَمَا أَنَّ اَلذَّهَبِيَّ قَدِ اعْتَمَدَ كَثِيرًا عَلَى ابْنِ بَطَّةَ فِي هَذَا الْجَانِبِ وَيَظْهَرُ ذَلِكَ بِوُضُوحٍ فِي كِتَابِهِ"الْعُلُوِّ لِلْعَلِيِّ الْغَفَّارِ".
(1) - طبقات الحنابلة 2/152.