105 -ذكر وجوب الإيمان بنزول عيسى بن مريم عليهما السلام لقتال الدجال وقيام الساعة والصعق قال الله عز وجل ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله [1] .
1 - (1061) أخبرنا محمد بن سعد، ثنا يحيى بن محمد البحيري، ح/ وأخبرنا محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن النضر، قالا: ثنا عبيدالله بن معاذ بن معاذ، ثنا أبي، ثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، قال سمعت يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو وجاءه رجل فقال: ما هذا الحديث الذي تحدث به تقول: إن الساعة تقوم إلى كذا وكذا. فقال سبحان الله أو لا إله إلا الله أو كلمة نحوها، لقد هممت أن لا أحدث أحدا شيئا أبدا، إنما قلت: إنكم سترون بعد قليل أمرا عظيما يحرق البيت, ويكون ويكون. ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وسلم) :"ثم يخرج الدجال في أمتي فيمكث لا أدري أربعين يوما، أو أربعين شهرا، أو أربعين عاما, فيبعث الله عيسى بن مريم عليه السلام [2] كأنه عروة بن مسعود الثقفي فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله عز وجل ريحا باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته حتى لو أن أحدكم في كبد جبل [3] لدخلت عليه حتى تقبضه، قال: سمعته من رسول الله صلى الله عليه (وسلم) 98/ب قال: فيبقى شرار الناس في خفة الطير [4] وأحلام السّباع لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا فيتمثل لهم الشيطان، فيقول: ألا تستجيبون فيقولون: فماذا تأمرنا فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دار رزقهم حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحدهم إلا أصغى ليتا ورفع ليتا [5] . قال: فأول من يسمع رجل يلوط حوض إبله [6] . قال: فيصعق، ثم يصعق الناس، ثم يرسل الله أو قال، ينزل الله مطرا كأنه الطل، أو الظل [7] (نعمان الشاك) فينبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: أيها الناس هلموا إلى ربكم قفوهم إنهم مسؤلون، ثم يقال: أخرجوا بعث النار. فيقال من كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعين [8] فذلك يوم يجعل الولدان شيبا, وذلك يوم يكشف عن ساق" [9] . اهـ.
(1) الزمر / آية 68.
(2) قوله:"فيبعث الله عيسى ..."قال القاضي عياض رحمه الله تعالى:"نزول عيسى عليه السلام وقتله الدجال حق وصحيح عند أهل السنة للأحاديث الصحيحة في ذلك وليس في العقل ولا في الشرع ما يبطله فوجب إثباته". ا هـ. النووي شرح مسلم 18/ 75.
(3) في مسلم:"حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل ...."وكبد كل شئ وسطه. النهاية 4/ 139.
(4) قوله:"في خفة الطير"الخفة: السرعة. النهاية 2/ 55 أي في سرعتهم الى الشر كطيران الطير. وفي العدوان وظلم بعضهم بعضا في أخلاق السباع.
(5) قوله:"أصغى ليتا ورفع ليتا"الليت صفحة العنق، وهما ليتان. النهاية 4/ 284.
(6) قوله:"يلوط حوض إبله أي يطينه ويصلحه. النهاية 4/ 277."
(7) "كأنه الطل أو الظل"قال العلماء، الأصح الطل - بالطاء المهملة وهو الموافق للحديث الآخر، أنه كَمَنِيِّ الرجال النووي شرح مسلم 18/ 77.
(8) في مسلم: تسعمائة وتسعة وتسعين.
(9) في إسناد ابن مندة من لم نجد ترجمته، والحديث أخرجه م / في الفتن باب في خروج الدجال ومكثه في الأرض 4/ 2258 ح 116 من طريق عبيد الله بن معاذ به.
التعليق:
أورد المصنف تحت هذه الترجمة قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} الزمر / 68.
وحديث عبد الله بن عمرو الذي انفرد مسلم بإخراجه، وقد جاء فيه وقت نزول عيسى وقتله الدجال، ثم النفخ في الصور والصعق، ثم النفخ فيه مرة أخرى فإذا هم قيام ينظرون، وذلك هو قيام الساعة.
وقد أورد ابن كثير في تفسير الآية الكريمة هذا الحديث وحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، فيما بين النفختين، فقال في تفسير الآية:"يقول تبارك وتعالى مخبرا عن هول يوم القيامة وما يكون فيه من الآيات العظيمة والزلازل الهائلة فقوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} هذه النفخة هو الثانية وهي نفخة الصعق وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله، كما جاء مصرحا به مفسرا في حديث الصور المشهور. ثم يقبض أرواح الباقين حتى يكون آخر من يموت ملك الموت وينفرد الحي القيوم الذي كان أولا وهو الباقي آخرا بالديمومة والبقاء ويقول: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} ثلاث مرات ثم يجيب نفسه بنفسه فيقول: {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} أنا الذي كنت وحدي وقد قهرت كل شئ وحكمت بالفناء على كل شئ ثم يحيى أول من يحيى إسرافيل ويأمره أن ينفخ في الصور أخرى وهي النفخة الثالثة نفخة البعث قال عز وجل"ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون"أي أحياء بعد ما كانوا عظاما ورفاتا صاروا أحياء ينظرون إلى أهوال يوم القيامة. ثم أورد الحديث المذكور هنا وأحاديث أخرى". تفسير ابن كثير 4/ 63.
وكما نصت الآية على الصعق الذي جاء في الترجمته، فقد نص الحديث على ذلك وهو قيام الساعة، وعلى نزول عيسى عليه السلام لقتال الدجال ثم قتله. يقول النووي:"قوله:"فيبعث الله عيسى بن مريم"أي ينزله من السماء حاكما بشرعنا، قال القاضي عياض: نزول عيسى عليه السلام وقتله الدجال حق وصحيح عند أهل السنة للأحاديث الصحيحة في ذلك وليس في العقل ولا في الشرع ما يبطله فوجب إثباته وأنكر ذلك بعض المعتزلة والجهمية ومن وافقهم وزعموا أن هذه الأحاديث مردودة بقوله تعالى"وخاتم النبيين". وبقوله صلى الله عليه وسلم"لا نبي بعدي"وبإجماع المسلمين أنه لا نبي بعد نبينا صلى الله عليه وسلم وأن شريعته مؤبدة إلى يوم القيامة لا تنسخ، وهذا استدلال فاسد لأنه ليس المراد بنزول عيسى عليه السلام أنه ينزل نبيا بشرع ينسخ شرعنا، ولا في هذه الأحاديث ولا في غيرها شيء من هذا، بل صحت هذه الأحاديث هنا وما سبق ذكره في كتاب الإيمان، وغيرها أنه ينزل حكما مقسطا يحكم بشرعنا ويحيى من أمور شرعنا ما هجره الناس". ا هـ. النووي شرح مسلم 18/ 75.
ومن القائلين بما ثبت في الصحيحين وغيرهما من نزول عيسى عليه السلام آخر الزمان ابن حزم، فقد جاء في كتابه - الأصول والفروع - في معرض رده على منكري النبوة في 1/ 185 في بيان ختم النبوة قوله:
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بنقل الكافة أنه أخبر أنه لا نبي بعده، إلا ما ورد في الحديث الصحيح من نزول عيسى بن مريم عليه السلام الذي بعث إلى بني إسرائيل وهو الذي ادعت اليهود قتله وصلبه فوجب الإقرار بهذه الجملة.
فقال المحقق للكتاب تعليقا على كلام ابن حزم هذا: فيما يتصل بنزول عيسى عليه الصلاة والسلام"لا نجد دليلا من القران الكريم على ذلك، كما أن الآيات التي استدل بها على رفعه عليه السلام إلى السماء ليست صريحة في هذا".
ثم أورد آيات أخرى يستدل بها على وفاته .. إلى أن قال: فعيسى عليه الصلاة والسلام قد توفي كأيّ نبي أو رسول لم يتحدث القرآن الكريم عن وفاته.
قال:"ومسألة نزوله نظن أنها مسألة مسيحية دست على الإسلام وصدقها المسلمون بحسن ظن, وقد قصد بها الدساسون النصارى أن يثبطوا همم المسلمين عن العمل بالقرآن وبالإسلام إلى أن يأتي عيسى عليه السلام ولن يأتي, كما أن هؤلاء النصارى قالوا بذلك اطرادا مع مبدئهم، وهو أن عيسى ابن الله فإذا كان عيسى كذلك، فكيف يموت كبقية البشر، وإذن فلا بد أن يصعد إلى أبيه كما قالوا، لا أن يموت في الأرض بيد خالقه كبقية الأنبياء. ا هـ ويقول ردا على ما توهمه المحقق، أن مسألة نزول عيسى عليه السلام آخر الزمان حاكما بشريعة الإسلام، أمر ثابت بالأحاديث الصحيحة التي أخرجها البخاري ومسلم. كما رأيت، ويجب على المسلم التسليم بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} وقال: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} . والقرآن دل على رفعه."
وصاحب التعليق ليس عنده دليل قاطع عدم نزول عيسى كما أنه لم يعرج على الأحاديث المتعلقة بذلك عند تعليقه فلم يذكر حديثا واحدا، غير أنه يظن أن مسألة نزول عيسى مسألة دسها النصارى ... الخ.
ومعلوم أن الظن ليس بدليل، بل لا يغني من الحق شيئا.
ونحن نقول إن نزول عيسى حق لأنه ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم وما ثبت عنه وجب الأخذ به، وما توهمه المحقق وغيره قد دفعه الرسول صلى الله عليه وسلم حيث بين أن عيسى لا ينزل برسالة جديدة وإنما ينزل حاكما بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم.