كتاب الإيمان
للحافظ محمد بن إسحاق بن يحيى بن مندة 310 - 395 هـ
رواية ولده أبي عمرو عبد الوهاب بن مندة إجازة
ورواية أبي الفضل الباطرقاني سماعا منه
حققه وعلق عليه وخرج أحاديث
د. علي بن محمد بن ناصر الفقيهي
بين يدي الكتاب
ابن مندة وكتابه (الإيمان) ، هذا عنوان الموضوع الذي تقدّمت به لرسالة الدّكتوراه في جامعة الملك عبد العزيز بمكّة المكرّمة (كلية الشريعة والدّراسات الإسلامية) (فرع العقيدة) وبتوفيق من الله تعالى فقد أجازت لجنة المناقشة الرّسالة بتقدير (ممتاز) وأوصت بطبعها لتعمّ الفائدة، وقد كانت المناقشة في السادس عشر من ربيع الثاني عام 1399 هـ.
وقد بادرت الجامعة الإسلامية باستجابتها لهذه التوصية، فدفعت الكتاب للمجلس العلمي وإحياء التراث الإسلامي بالمدينة المنورة الذي رأى أنّ نشر هذا العمل العلمي هو من صميم رسالته فكان هو (الكتاب الأول) في سلسة مطبوعاته (من التراث الإسلامي) فجزى الله القائمين على الجامعة الإسلامية خير الجزاء لاعتنائهم بنشر ما يخدم العقيدة الإسلامية الصافية المأخوذة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
د. علي بن محمد ناصر الفقيهي
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدّمة الكتاب
الحمد الله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أمّا بعد:
فلقد سلك علماء السلف المنهج الذي رسمه نبي الهدى صلى الله عليه وسلم في حياتهم كلها في سلوكهم وأعمالهم وعقائدهم يهتدون بهديه ويستنون بسنته، وحينما يحدث انحراف عن هذا المنهج القويم يهبون لبيان الحق ورد الشبه معتمدين في ذلك على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومما حدث فيه الانحراف عما جاء به المصطفى صلى الله عليه وسلم القول (في الإيمان) .
فمن قائل هو: التصديق بالقلب فقط، وأنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة، ومن قائل هو: الإقرار باللسان فقط، ومن قائل هو الإقرار باللسان والتصديق بالقلب، والعمل ليس من الإيمان، وغير ذلك من مسائل الإيمان الأخرى.
وقد كان من هؤلاء العلماء الذين نصروا الحق وبينوا ما كان عليه هدي الرسول صلى الله عليه وسلم، بما ثبت في سنته لبيان هذه المسائل المختلف فيها الحافظ محمد بن إسحاق بن مندة مؤلف كتاب (الإيمان) هذا الذي نحن بصدد تحقيقه ودراسته، وسيأتي ذكر سبب اختيار الكتاب عند الكلام عن العقيدة في عصر الصحابة ومن تبعهم.
هذا وقد واجهتني صعوبات في مادة الكتاب، وفي الحصول على تراجم شيوخ المصنف، وقد تغلبت - بعون الله تعالى وتوفيقه - على هذه الصعوبات، فغزوت النصوص إلى مصادرها مستعينًا في ذلك بالمعاجم والأطراف، كما يأتي بيان ذلك في قسم دراسة الكتاب.
وعلى تراجم الأشخاص بكتب التراجم والتاريخ، وقد عاش ابن مندة في القرن الرابع الهجري، وهو من كبار الحفاظ، وأخذ عن عدد كبير من علماء الحديث إذ بلغ عدد شيوخه ألف وسبعمائة شيخ، وقد روى عن عدد منهم في كتاب الإيمان، لكن كان من هؤلاء العلم المشهور الذي ملأ الدنيا صيته، ومنهم من خمل ذكره، وقد بذلت جهدًا كبيرًا لترجمة شيوخه الذين روى عنهم في كتاب الإيمان، ولم أدخر وسعًا في سبيل ذلك فترجمت لكثير منهم، ولم أعثر للباقين على ذكر في كتب الرجال والتاريخ التي تمكنت من الاطلاع عليها، ولعل بعضهم ذُكِر في مخطوطات لم أتمكن من الوصول إليها والاطلاع عليها، وكذلك كان الحال في شيوخ شيوخه.
والغرض من ترجمة شيخ ابن مندة أو شيخ شيخه الوارد ذكره في سلسلة سند الحديث، هو إعطاء فكرة للقارئ عن هذا الشخص من هو؟ وما منزلته العلمية.
أما من حيث صحة الحديث أو ضعفه فالاعتماد على من سبقهم، ذلك أن ابن مندة وشيخه وشيخ شيخه كانوا في الفترة التي تلت عصر تدوين الحديث، اللهم إلا إن وجد حديث استقل ابن مندة بإخراجه عن طريقة، وهذا نادر جدًا.
ولذا فقد ترجمت لمن وجدت منهم مكتفيًا بالإشارة إلى وفاة الشيخ وما قيل فيه ومن لم أجد له ترجمة سكت عنه.
كما ترجمت لعدد كبير من رجال الحديث الذين ورد ذكرهم في سند الحديث عند الحاجة.