وجمهور الأصوليين على أن المندوب مأمور به حقيقة كما تقدم في التعريف، لأن المندوب طاعة، والطاعة تكون بامتثال أمر الله تعالى، فكان المندوب مأمورًا به حقيقة. قال تعالى: { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } (1) وهذا أمر عام يشمل الواجب والمندوب، وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الأمر انقسام الأمر إلى أمر إيجاب وأمر استحباب والله أعلم.
ويسمى المندوب: سنة ومستحبًا وتطوعًا ونفلًا. وهذا على رأي الجمهور خلافًا للأحناف الذين جعلوا المندوب مرادفًا للنفل ولا كراهة عندهم في تركه، وفرقوا بين السنة والنفل، فجعلوها أعلى منه رتبة. فإن كانت مؤكدة فتركها مكروه تحريمًا، وإن كانت غير مؤكدة فتنزيها (2) .
والقسم الثالث: المباح
…وهو لغة: المعلن والمأذون فيه. يقال: باح فلان بسره: أظهره، وأباح الرجل ماله: أذن في الأخذ والترك. واستباح الناس العشب: أقدموا على رعيه.
…واصطلاحًا: ما لا يتعلق به أمر ولا نهي لذاته كالاغتسال للتبرد، والمباشرة ليالي الصيام، وخرج بالقيد الأول وهو ( ما لا يتعلق به أمر) الواجب والمندوب لأنه مأمور بهما.
…وخرج بالقيد الثاني وهو (ولا نهي) المحرم والمكروه لأنه منهي عنهما.
…وخرج بالقيد الثالث وهو (لذاته) ما إذا كان المباح وسيلة لمأمور به، فإنه يتعلق به أمر لكن لا لذات المباح، بل لكونه صار وسيلة، أو كان المباح وسيلة لمنهي عنه فإنه يتعلق به نهي، لكن لا لذاته وإنما لكونه صار وسيلة. ومثال الأول: الأكل فهو مباح في الأصل لكن لو توقف عليه بقاء الحياة صار مأمورًا به لما تقدم. ومثال الثاني: أكل الفاكهة - مثلًا - فهو مباح لكن لو أدى تفويق صلاة الجماعة في المسجد صار منهيًا عنه كما تقدم.
ومن تعريف المباح يتضح أنه ليس مأمورًا به، لأن الأمر يستلزم إيجاب الفعل أو ترجيحه، ولا ترجيح للفعل على الترك في المباح، بل هما سواء.
(1) سورة النحل، آية 90.
(2) انظر الحكم التكليفي ص163، 171.