الصفحة 49 من 163

أن المبادرة بالفعل أحوط وأبرأ للذمة، وأدل على الطاعة، والتأخير له آفات، ويقتضي تراكم الواجبات حتى يعجز الإنسان عنها.

وكما أن الشرع دل على اقتضاء الأمر الفور، كذلك اللغة فإن السيد لو أمر عبده بأمر فلم يمتثل فعاقبه فاعتذر العبد بأن الأمر على التراخي لم يكن عذره مقبولًا.

المسألة الثالثة: قوله: (والأمر بإيجاد الفعل أمر به وبما لا يتم الفعل إلا به) أي: أن ما توقف عليه وجود الواجب بطريق شرعي لتبرأ منه الذمة فهو واجب إذا كان ذلك في مقدور المكلف، وتحت هذه القاعدة صورتان، وذلك بناء على دخول المندوب في الأمر:

مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب. كالأمر بالصلاة أمر بالطهارة، والأمر بستر العورة أمر بشراء ما يسترها (1) .

ووجه هذه الصورة: أنه لو لم تجب الطهارة - مثلًا - لوجوب الصلاة لجاز تركها، ولو جاز تركها لجاز ترك الواجب المتوقف عليها واللازم باطل.

ما لا يتم المندوب إلا به فهو مندوب، فالأمر بالتطيب يوم الجمعة كما في حديث ابن عباس (وأصيبوا من الطيب) (2) أمر بشراء الطيب ندبًا لا وجوبًا.

وهذه الصورة لا تدخل - على رأي المصنف - لأنه لا يرى أن المندوب مأمور به، والله أعلم.

المسألة الرابعة: قوله: (وإذا فعل خرج عن العهدة) : (فعل) بالبناء للمجهول أي: فعل المأمور به، والعهدة: بضم العين تعلق الأمر بالمأمور. والمعنى: أن المأمور إذا فعل ما أمر به على وجه صحيح فإنه يخرج عن عهده ذلك الأمر ويوصف ذلك الفعل بالإجزاء. والإجزاء معناه: براءة الذمة وسقوط الطلب. أما الإثابة على الفعل فليست من لوازم الامتثال فقد يحصل الإجزاء وبراءة الذمة ولا يحصل الثواب، وقد يكون مثابًا ولا تبرأ الذمة.

(1) تمثيل المؤلف بالطهارة فيه نظر، لأن فيها دليلًا يخصها، بخلاف الأمر بشراء ما يستر العورة. والله أعلم.

(2) أخرجه البخاري برقم 844.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت