الصفحة 48 من 163

والفور معناه: المبادرة بالفعل عقب الأمر في أول وقت الإمكان. والتراخي: تأخير الفعل عن أول وقت الإمكان. والقائلون بأن الأمر للتكرار يتفقون على أنه للفور. لأن التكرار لا يتحقق بدون المبادرة.

وأما القائلون بأن الأمر ليس للتكرار. فاختلفوا في ذلك على قولين:

الأول: أنها لا تقتضي الفور، وبه قال أكثر الشافعية وأكثر الأحناف، وهو رواية عن الإمام أحمد، بل الأمر لمجرد الطلب فلا يقتضي الفور ولا التراخي، وقد يقتضي لأن الغرض إيجاد الفعل ولو مرة واحدة من غير اختصاص بالزمن الأول أو الثاني بل في أي زمان وجد فيه أجزأ.

والقول الثاني: أنها تقتضي الفور. وهو قول المالكية وبعض الشافعية، وبعض الحنفية، وهو ظاهر المذهب عند الحنابلة (1) . وهذا هو القول الراجح إن شاء الله لما يلي:

آيات من كتاب الله تعالى فيها الأمر بالمبادرة إلى امتثال أوامر الله تعالى والثناء على من فعل ذلك كقوله تعالى: { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين } (2) وقوله تعالى: { فاستبقوا الخيرات } (3) وقال تعالى: { إنهم كانوا يسارعون في الخيرات } (4) .

ما جاء في قصة الحديبية، وفيها: (قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا) قال: فو الله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات. فما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لهاما لقي من الناس . . . الحديث) (5) ، ووجه الدلالة: أنه لو لم يكن الأمر للفور ما دخل الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أم سلمة مغضبًا ولا قال لها: (ألا ترين إلى الناس! إني آمرهم بالأمر فلا يفعلون) كما في رواية ابن إسحاق.

(1) انظر مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد (2/84) العدة (1/281) أضواء البيان (5/112) .

(2) سورة آل عمران، آية: 133.

(3) سورة البقرة، آية: 148.

(4) سورة الأنبياء، آية: 90.

(5) أخرجه البخاري برقم 2581 وانظر فتح الباري (329) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت