الصفحة 47 من 163

والقول الثاني أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار لأن ما قصد به من تحصيل المأمور به يتحقق بالمرة الواحدة والأصل براءة الذمة مما زاد عليها، بل يخرج المكلف من عهدته بمرة واحدة، ولا يلزمه تكراره والمداومة عليه، وذلك لأن صيغة الأمر لا تدل إلا على مجرد إدخال ما هية الفعل (1) في الوجود لا على كمية الفعل، ولو قال السيد لعبده: ادخل السوق واشتر تمرًا، لم يعقل منه التكرار، ولو كرر العبد ذلك لحسن لومه، ولو سيده على عدم التكرار لعد السيد مخطئًا.

وهذا هو اختيار المصنف - هنا - فإنه قال: (ولا يقتضي التكرار على الصحيح) أي عند الإطلاق كما يدل عليه ما بعده، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها أبو يعلى وتلميذه أبو الخطاب، وهو الصحيح عند الحنفية، ورجح ذلك الطوفي، وما إليه ابن قدامة، واختاره ابن الحاجب (2) .

أما ما قاله الأولون من أن الأمر كالمنهي فغير صحيح للفرق بن الأمر والنهي، لأن الانتهاء عن الفعل أبدًا ممكن، أما الاشتغال به أبدًا فغير ممكن فظهر الفرق.

وأما ما فيه التكرار فذلك لنصوص أخر وقرائن وأسباب توجب ذلك، كالصلاة فإن تكرارها في كل يوم وليلة خمس مرات ليس لأجل الأمر بها، وإنما لتكرار أسبابها وهي الأوقات. ومما يتعلق بهذا البحث مسألة إجارة مؤذن بعد مؤذن فهل يكتفي بالأول لأن الأمر لا يقتضي التكرار؟ أو يجيب كل مؤذن من باب تعدد السبب؟ فيه احتمال (3) .

المسألة الثانية: قوله: (ولا تقتضي الفور) أي عند الإطلاق بخلاف: سافر الآن. فهي للفور، وسافر رأس الشهر.فهي للتراخي لوجود قرينة.

(1) الماهية بمعنى الحقيقة انظر المعتبر للزركشي ص337 معجم لغة الفقهاء ص398.

(2) انظر روضة الناظر مع شرحها (2/78) مختصر الروضة ص87. مختصر المنتهى (2/81) أصول السرخسي ص20.

(3) انظر شرح المهذب (2/119) فتح الباري (2/92) فتاوى العز بن عبد السلام ص87 التمهيد للإسنوي ص283 حاشية الصنعاني على شرح العمدة (2/188) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت