وليبدلنّهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون* وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون )) (النور، الآية: 55 ـ 56) .
إن أمر النهوض بهذه الأمة والتصدي للمشاريع الغازية يحتاج إلى جميع أنواع القوى، على اختلافها وتنوعها، ولذلك اهتم القران الكريم اهتمامًا كبيرًا بإرشاد الأمة للأخذ بأسباب القوة وأوجب الله تعالى على الأمة الأخذ بأسبابها، لأن التمكين لهذا الدين طريقه للوصول إلى القوى بمفهومها الشامل وقد قال الأصوليون: وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب [1] .
إن القرآن الكريم أوجب على أتباعه إعداد القوة قال تعالى:"وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يُوَفَّ إليكم وأنتم ظالمون" (الأنفال، الآية: 60) وما أحوج المسلمين اليوم إلى أن يحصّلوا كل أسباب القوة، فهم يواجهون نظامًا عالميًا وقوى دولية لا تعرف إلا لغة القوة، فعليهم أن يقرعوا الحديد بالحديد ويقابلوا الريح بالإعصار ويقاتلوا الغزاة بكل ما اكتشف الإنسان ووصل إليه العلم في هذا العصر من سلاح وعتاد واستعداد حربي لا يقصرون في ذلك ولا يعجزون [2] .
إن قادة المماليك قدموا للأمة أعمالًا جليلة في الفداء والبطولة، فقد استطاعوا أن يقاوموا طوال فترة حكمهم عدوين غاشمين، كانت لهم أطماع في البلاد الإسلامية دينية وسياسية واقتصادية هما المغول والصليبيون، غير أنهم جميعًا لم يستطيعوا تحقيق رغباتهم ولا الوصول إلى اهدافهم إذ كان المماليك يقفون سدًا منيعًا حماية للبلاد الإسلامية ودفاعًا عن الدين والأخلاق، فكان جهادهم في هذا المضمار من أعظم الأعمال التي قاموا بها وكانت وقائعهم مع أعداء الإسلام صفحات مضيئة ومشرقة يستفيد منها ويقتدى بها المسلمون كلما أرادوا العزة والكرامة، لقد استطاع المماليك أن يثبتوا كفاءتهم وشجاعتهم في الميادين العسكرية والسياسية، فنظر إليهم حكام الدول الإسلامية وشعوبها نظرة إكبار وإجلال في حين نظرت إليهم القوى الدولية الأخرى نظرة خوف واحترام، فحرصت على ملاطفتهم ومسالمتهم أو مهادنتهم اتقاء بطشهم وانتقامهم وبذلك تكون دولة المماليك قد فرضت احترامها على
(1) فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم صـ123.
(2) المصدر نفسه صـ224.