الأعداء والأصدقاء وتسابق الجميع في كسب مودتها وإقامة العلاقات معها، وشهدت القاهرة نشاطًا سياسيًا ضخمًا في تلك الحقبة من تاريخ المماليك [1] .
وقد وصف عصر المماليك بأوصاف واتهامات جائرة، فوصف بأنه عصر تدهور واضمحلال، وعصر تخلف وجمود وعصر إجترت فيه العلوم اجترارًا، إلى غير ذلك من الأحكام التي انطلقت من أفواه المستشرقين خاصة، فعلى الرغم من أن الحقائق تشير إلى أن أضخم إنتاج فكري في العصور الإسلامية قد جاءنا من عصر المماليك إلا أن المستشرق الفرنسي جاستون فييت يعده إنتاجًا من الدرجة الثانية، ويقول عن ذلك: ولكن القاهرة لم تكن في أي وقت مضى مركزًا علميًا في مستوى بغداد وقرطبة، وكانت في القرنين الرابع عشر والخامس الميلاديين ـ الثامن والتاسع الهجريين مركزًا للسياسة والإدارة وبصفة خاصة للتجارة العالمية، ورغم أنها احتفظت بذوقها الفني الرفيع، فإنها في مجال الإنتاج الفكري كانت من الطبقة الثانية [2] ، ويصف بروكلمان هذا الإنتاج بأنه، إنتاج يكاد يكون خلوًا من الأصالة والإبداع بالكلية [3] ،
وثم إننا نجد أن عددًا من الباحثين العرب والمسلمين قد انساقوا وراء آراء المستشرقين، فأصيبوا بداء الإعجاب بهم، فانطلقت أكثر أحكامهم من حدود آراء المستشرقين، ولم تنطلق من دراسة علمية متخصصة وموضوعية، وهؤلاء الباحثين الذين ساروا على نهج المستشرقين، كفيليب حتى ابتعدت أحكامهم عن الموضوعية وجاءت مطلقة، كما ورد في رأي بروكلمان الذي جعل العصر المملوكي بطوله وعرضه خاليًا من الإنتاج الأصيل المبدع بالكلية وقاصرة كما جاء في رأي جاستون فييت الذي وصل إلى رأي لا أظن أن أحدًا من الباحثين يسمع له فيه عندما قصر الحياة الفكرية على مقدمة ابن خلدون وحدها في عصر امتد قرابة قرون ثلاثة، وخلَّف العشرات من العلماء الذين يُشار إليهم بالبنان ويعرفهم الصغير والكبير، لقد حاول غالبية المستشرقين أن يصفوا عصر المماليك بعصر الإنحطاط وتخلف وجمود بدافع من الجهل أو الحقد أو كليهما ثم تابعهم كالعادة بعض المؤرخين والعلماء المحسوبين على ثقافتنا وحضارتنا ورددوا هذه الأقاويل حتى وسموا عصر المماليك كله بالتخلف والإنحطاط والهجين والفوضى، والإنحلال، والواقع أن هذا الرأي
(1) الحسبة في العصر المملوكي صـ267.
(2) القاهرة مدينة الفن والتجارة، مصفى العبادي صـ106 ـ 107.
(3) تاريخ الشعوب الإسلامية صـ371 ..