إن مفتاح شخصية نور الدين محمود زنكي شعوره بالمسؤلية وحرصه على تحرير البلاد من الصليبيين وخوفه من محاسبة الله له وشدة إيمانه بالله وباليوم الآخر وكان هذا الإيمان سببًا في التوازن المدهش والخلاّب في شخصيته، فقد كان على فهم صحيح لحقيقه الإسلام وتعبد الله بتعاليمه، وتميزت شخصيته بمجموعة من الصفات الرفيعة والأخلاق الحميدة والتي ساعدته على تحقيق انجازاته العظيمة والتي من أهمها:
أولًا: الجدية والذكاء المتوقد: منُذ البداية والتكوين الجاد لنور الدين يدفعه إلى الإسراع لسّد أي فتق أو اعتداء من قِبل الأعداء: فلما قتل زنكي 541هـ يقول ابن الأثير - كان جوسلين الفرنجي، في ولايته غربي الفرات: تل باشر وما جاورها فراسل أهل الرها وكان عامتهم من الأرمن، وواعدهم يومًا يصل إليهم فيه فأجابوه إلى ذلك فسار في عساكره إليها وملكها، وامتنعت عليه القلعة بمن فيها من المسلمين، وقاتلهم وجّد في قتالهم، فبلغ الخبر إلى نور الدين فسارًا مجدًا إليها في العسكر الذي عنده، فلما سمع جوسلين بوصوله خرج عن الرها إلى بلده ودخل نور الدين المدينة ونهبها وسبى أهلها فلم يبق منهم إلاّ القليل وأجلى من كان بها من الفرنج [1] . وكان أبوه زنكي قد استرد هذا الموقع الخطير من الصليبيين عام 539هـ وأمر جنده يومها بالكف فورًا عن النهب والسلب والتخريب ومنح النصارى المحليين حريات واسعة وحمى كنائسهم وممتلكاتهم في محاولة منه لفك ارتباطهم بالغزاة الصليبيين الذين مارسوا معهم الكثير من أساليب التمييز والتفرقة الدينية أما وقد تآمروا - ثانية - في أخريات عهد زنكي، وثالثة بعد مقتله لإعادة الرها إلى السيطرة الصليبية منها يجئ الرد بمستوى الجّد الذي يقتضيه الموقف إذا ما أريد لهذا الموقع أن يبقى مجردًا، وألا يعود ثانية إلى قبضة الغزاة [2] .
وفي عام 567هـ هاجم صليبيو اللاذقية مركبين للمسلمين كانا مملؤين بالأمتعة مكتظين بالتجار، وغدروا بالمسلمين وكان نور الدين قد هادنهم فنكثوا، فلما سمع الخبر استعظمه وأرسل إلى الصليبيين يطلب إعادة ما أخذوه، فغالطوه فلم يقبل مغالطتهم وكان لا يهمل أمرًا من أمور رعيته كما يقول ابن الأثر إذ ما لبث أن جمع عساكره وبث سراياه في بلاد الصليبيين بين أنطاكية وطرابلس، وقام بحصار حصن عرقة وتخريب ربضه،
(1) الباهر ص 86 - 87 نور الدين محمود زنكي ص 12.
(2) نور الدين محمود ص 12.