والسياسي، والاقتصادي والتربوي والاجتماعي، والعلمي، والأعلامي .. إلخ.
في هذا الفصل كثير من الدروس والعبر والفوائد منها:
1 -التفكير الاستراتيجي عن نور الدين: بعد أن تولى نور الدين الحكم كّرس جهوده وإمكانيات دولته لحرب الصليبيين وجعل القضاء على ممالكهم وإماراتهم وتحرير البلاد من احتلالهم من أهدافه الاستراتيجية وسعى لتحقيق ذلك بكل ما يملك من قوة وخاض ضدهم معارك عديدة قتلوا أسر خلالها أمراءهم وقادتهم وعشرات الآلآف من رجالهم واستعاد أكثر من خمسين موقعًا وبلدة ومدينة منهم، ونور الدين محمود لم يكن قائدًا عسكريًا فقط، بل كان زعيمًا سياسيًا يعلم أن للسياسة الدور الأكبرفي مواجهة العدو وأن استخدام القوة العسكرية وخوض العمليات العسكرية إنما يكون لتحقيق الأهداف السياسية، فإذا أمكن تحقيق هذه الأهداف دون الحاجة إلى استخدام القوة العسكرية أو باستخدامها، كتهديد فقد دون التورط في القتال فإن ذلك أفضل وأوفر للرجال والمال ومع أن تطبيق هذا المبدأ على حالة المسلمين مع الفرنجة لا يستقيم، لأن النزاع بينهما في بلاد الشام هو نزاع وجود، فلا تتحقق أهداف المسلمين إلا بالقضاء على الفرنجة، وهذا لا يتم إلا باستخدام القتوة العسكرية في نهاية الأمر، إلا أن النزاع طويل ولابد أن تتخللّه فترات هدوء يتم فيها الاستعداد والتحضير للجولات القادمة، أو التحول من جبهة إلى أخرى، كانت فترات الهدوء تحصل في بضع الأحيان بالاتفاق بين الطرفين على هدنة محددة المدة، لسنتين أو ثلاث سنوات، لا تجري فيها عمليات عسكرية بين الطرفين، وكان نور الدين لا يوافق على هدنة مع إحدى الإمارات الفرنجية إلا إذا كان ينوي التركيز على المواجهة مع إمارة أخرى، أو التفرغ لمعالجة بعض القضايا الداخلية، ففي عام 543هـ/1148م اضطر إلى منح جوسلين أمير تل باشر هدنة لمدة عاملين، لأنه لجأ إلى معسكره رافعًا الرايات البيض مستجيرًا وطالبًا حماية نور الدين واعتبر نفسه تابعًا له [1] ،
كان الموقف محرجًا لنور الدين فهو لا يرغب منح جوسلين حمايته واعتباره احد اتباعه ولا يستطيع ردّه خائبًا عملًا بآداب العقيدة السمحة وتقاليد الفروسية التي كان يتمثل بها ويحرص عليها، فكانت الهدنة لمدة سنتين حلًا وسطًا بين الحالتين. وفي عام 544هـ/1149م حاصر نور الدين مدينة أنطاكية وطال الحصار دو أن يتمكن من فتحها فعرض عليه الفرنجة أموالًا وهدايا وطلبوا منه مهلة يقررون خلالها أمرهم
(1) نور الدين د. حسين مؤنس ص 230 ..