رجع إلى حلب وأقام بها، وصنف كتبًا كثيرة في الفقه والمذاهب ودرس على يديه عدد كبير من التلاميذ وانتفعوا به وكان فقيهًا من طراز أول، ووصف بأنه من أفقه أهل عصره، وأنه إمام أصحاب الشافعي يومذاك وكان متوحدًا في العلم والعمل وسرعان ما تقدم عند نور الدين فكلفه بالإشراف على بناء المدارس في حلب وحمص وبعلبك وغيرها، ثم ما لبث أن ولاه قضاء ديار بكر ومنحه - كما سبق وأن ذكرنا - صلاحيات واسعة [1] . كما اعتمده عام 566هـ - 1170 رسولًا إلى الخليفة المستضيء في بغداد [2] . وقد توقي عام 585هـ - 1189م [3] .
7 -رفع الضرائب والمكوس: لم يترك نور الدين في بلد من بلاده ضريبة ولا مكسًا ولا عشرًا إلا وأطلقها جميعها في بلاد الشام والجزيرة وديار مصر وغيرها، مما كان تحت حكمه، فقد كان المكس في مصر يؤخذ من كل مائة دينار خمسة وأربعون دينارًا، أي 45% وهذا إلغاء للمكوس، لم تتسع له نفس غيره [4] وكان رحمه الله نادمًا على ما فاته في أمر المكوس، فقد روى أبو شامة أن: الملك العادل كان يرفع يديه إلى السماء ويبكي ويتضرع ويقول: اللهم أرحم العشّار المكَّاس .. وكان قد دعا أحد معاونيه - موفق الدين خالد - وقال له: اقعد واكتب بإطلاق المؤن والمكوس والأعشار واكتب للمسلمين أني قد رفعت عنكم ما رفعه الله تعالى عنكم، واثبت ما أثبته الله عليكم [5] . وقد أمر بقراءة المناشير في الأقاليم في المساجد على الناس. روى أبو شامة: أن الملك العادل نور الدين لما دخل الموصل سنة 566هـ، أمر بإسقاط جميع المكوس والضرائب وأنشأ بذلك منشورًا يقرأ على الناس فيه: وقد قنعنا من الأموال باليسير من الحلال، فسحقا للسحت، ومحقًا للحرام الحقيق بالمقت، وبعدًا لما يبعد من رضا الرب، وقد استخرنا الله وتقربنا إليه بإسقاط كل مكس وضريبة في كل ولاية لنا بعيدة أو قريبة ومحو كل سنة سيئة شنيعة، ونفي كل مظلمة فظيعة وإحياء كل سنة حسنة .. إيثارًا للثواب الآجل على الحطام العاجل [6] . وقرئ منشور آخر بإسقاط المكوس بمصر على المنبر في القاهرة عام 567هـ بعد صلاة الجمعة، عن السلطان صلاح الدين، في أيام نور الدين ويأمره جاء فيه: وقد رأينا إسقاط المكوس الديوانية بمصر والقاهرة وأن نتجرد فيها، لنلبس أثواب الأجر الفاخرة، ونطهر منها مكاسبنا ونكفي الرعية ضرهم ..
(1) وفيات الأعيان (3/ 53 - 56) .
(2) مرآة الزمان (8/ 283) .
(3) نور الدين محمود الرجل والتجربة ص 85.
(4) عيون الروضتين في أخبار الدولتين (1/ 362) .
(5) كتاب الروضتين نقلًا عن الجهاد والتجديد ص 327.
(6) كتاب الروضتين نقلًا عن الجهاد والتجديد ص 328.