فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 650

الدين عام 559هـ نجدات من أمراء الأطراف لفتح حارم المعروفة بحصانتها الشديدة، فأما فخر الدين قرا أرسلان الأرتقي، حاكم حصن كيفا في ديار بكر، فبلغني عنه أنه قال له ندماؤه وخواصه: على أي شيء عزمت؟ فقال: على القعود، فإن نور الدين قد تحشّف من كثرة الصوم والصلاة، فهو يلقي بنفسه والناس معه في المهالك فكلهم وافقه على ذلك، فلما كان الغد أمر بالنداء في العسكر، بالتجهز للغزاة فقال له أولئك: فارقناك بالأمس على حال نرى الآن ضدها؟ فقال: إن نور الدين قد سلك معي طريقًا إن لم انجده خرج أهل بلادي على طاعتي وأخرجوا البلاد من يدي،، فإنه كاتب زهادها وعبادها والمنقطعين عن الدنيا، يذكر لهم مالقي المسلمون من الفرنج ومانالهم من القتل والأسر والنهب ويستمد منهم الدعاء ويطلب منهم أن يحثوا المسلمين على الغزاة، فقد قعد كل واحد من أولئك ومعه أتباعه وأصحابه وهم يقرأون كتب نور الدين ويبكون، ويلعنوني ويدعون عليّ فلا بد من إجابة دعوته ثم تجهز هو"أيضًا"وسار إلى نور الدين بنفسه. إن نور الدين يتعامل مع الجماهير وأعيانها ورموزها وقد حقق نجاحات باهرة في كسب قلوبها وتأييدها ومحبتها، فكان يطلعها على تفاصيل ما يجري على الساحة، فإن تردد الحكام والأمراء، أو جبنوا، أو بخلوا فإن بمقدور القواعد، الأكثر ثقلًا وتأثيرًا يومذاك أن ترغمهم على الطاعة وإلاّ عصفت بهم وأخرجت البلاد من أيديهم وذلك هو الضمان الكبير في تجنيد القدرات الإسلامية كافة ودفعها إلى ساحات الجهاد [1] ، وما من شك في أن انسجامًا عميقًا يتحقق بين القيادة والقواعد ومحبة واعية تسود العلاقة بين الرجل والجمهور، وتعاطفًا مخلصًا من أجل الأهداف الكبيرة ..

وما من شك أن هذا وذاك من أسباب النجاح والتوفيق في إدارة دولته [2] .

سابعًا: اللياقة البدنية العالية:

تطلبت حياة نور الدين محمود الحافلة بالعمل المتواصل والجهاد المضني جسدًا قويًا قادرًا على تحمل الأعباء والمشقات ولا يتم بناء الجسم القوي إلا بممارسة الرياضة ولذلك كان نور الدين مواظبًا على ممارسة الألعاب الرياضية المعروفة في زمانه بما يتعلق بالفروسية وأعمال القتال، وكان بشكل خاص مولعًا بلعبة الكرة أو الصولجة التي تدعى في هذه الأيام بلعبة البولو [3] ، ويصفه ابن الأثير بقوله: من أحسن لعبًا بالكرة وأقدرهم عليها، ولم يُر

(1) نور الدين محمود الرجل والتجربة ص 28.

(2) المصدر نفسه ص 28.

(3) دور نور الدين في نهضة الأمة ص 134.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت