فهرس الكتاب

الصفحة 483 من 650

أن استعراض مراحل صراعه مع المملكة الصليبية تعكس لنا صورة مغايرة لذلك، فالاستيلاء على دمشق عام 549هـ/1154م، حسم أمرها تمامًا لصالح السيادة الإسلامية، ولم تستطع المملكة اللاتينية أن تفرض سيطرتها عليها، لذلك فإن إخضاع مصر عام 567/ 1171م/ لسيادته حسم الصراع حولها والذي استهلك جهدًا كبيرًا من الجانبين المتحاربين وكان نور الدين يحارب في جبهات عديدة في وقت واحد سواء بالنسبة للمسلمين او الصليبيين، ثم إن المرحلة نفسها كانت مرحلة الصراع من أجل توازن القوى بينه وبين المملكة الصليبية وقد ساهمت جهود نور الدين محمود وصراعه مع مملكة بيت المقدس لتمهيد السبيل صلاح الدين الذي استطاع إسقاط مملكة بيت المقدس عام 583هـ/1187م، وقد امتدت ساحة صراع نور الدين مع الصليبيين من إمارة الرها إلى أنطاكية ثم طرابلس وبيت المقدس وأسقط ما يزيد على الخمسين من الحصون والمعاقل، وتصارع مع جبهتين شمالية وجنوبية في آن واحد وارتبطت طموحاته بحكمته ودهائه السياسي وحافظ على طاقاته وإنجازاته [1] .

6 -الرصيد الأخلاقي في قتال نور الدين للأعداء: يروى أنه لما بلغ نعي الملك بلدوين مسامع القادة المسلمين وهم يعدون العدة لغارات جديدة، عقدوا مجلسًا للمداولة في ما بينهم، وقالوا لنور الدين إننا نستعد لمهاجمة ميناء عسقلان التي هي من المملكة بمثابة الرئة من الجسد، فالفرصة سانحة الآن للقيام بهجوم خاطف على المدينة، ثم لمواصلة الزحف نحو الموانئ الأخرى ونحو بيت المقدس والحصون الجبلية للاستيلاء عليها قبل أن تجف دموع الصليبيين وقبل أن يصحوا من ذهولهم، فلنضربهم ضربة قاضية وهم في هذه الحالة من التضعضع والضعف، إن حزنهم وحدادهم حليفان لنا في هذه الحرب؛ فلم يشاطرهم نور الدين الرأي وقال لهم: إن مهاجمة الصليبيين وهم على هذه الحالة من الخور والقلق، عمل لا يليق بي وبكم، بل يلحق بنا جميعًا وصمة عار لن تمحوها الأيام المقبلة، فلو فعلنا لكان هجومنا عليهم أشبه بعمل فارس جبان يجهز على خصم سقط عن جواده مثخنًا بالجراح، إن أعداءنا لا يقوون اليوم على على الدفاع عن أنفسهم، وقد أحاط قوادهم بجثة مليكهم يبكونه ويترحمون عليه، وعندما يصبحون من جديد قادرين على الدفاع سنهاجم ونخرجهم من أرض نعّدها ملكًا لنا ونرفع عليها أعلامنا. أما اليوم، فإني سأبعث إليهم بوفد من أبطالنا، لا للتحدي ولكن للتعزية. ومالبث أن أرسل إلى القدس وفدًا من خيرة فرسانه فقابل الملكة الأرملة [2] ،

معزيًا إياها بوفاة العاهل الراحل، وقدم إليها رسول نور الدين عقدًا ثمينًا كان

(1) المصدر نفسه ص 159،160.

(2) هي الأميرة البيزنطية تيودورا وكانت قد زفت إلى بلدوين الثالث سنة 553هـ/1185م وهي في الثالث عشر من عمرها وقد بلغت يوم وفاة زوجها سن السابعة عشرة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت