ولايبرح [1] . ولما توفي دفن في البيت البسيط المقام من الأخشاب [2] .
7 -زهده في الألقاب: عندما تفقد قيادة ما القدرة على الإسهام الجادّ في حركة التاريخ، يتحول همها إلى منح النياشين والألقاب لمن يقدرون من أجل أن تغطي عجزها وإنكماشها، لكن رجلًا فاعلًا كنور الدين يرفض هذه (المنح) خوفًا أن يكون في طياتها الكذب والمبالغة والزيف، وخوفًا أن تقوده إلى نوع من الاعتداد والغرور كثيرًا ما انتهى إليهما القادة العاملون وأما نور الدين الذي علمه التجرد كيف يكون الرفض فإنه يتمنع حتى النهاية عن الذهاب مع الإغراء إلى ما يريد الشيطان لا ما يريد الله تلقى يومًا من بغداد هدية تشريف عباسيه ومعها"قائمة"بألقابه التي كان يذكر بها على منابر
بغداد: ... اللهم أصلح المولى السلطان الملك العادل العالم العامل الزاهد العابد الورع المجاهد المرابط المثاغر نور الدين وعدته ركن الإسلام وسيفه، قسيم الدولة وعمادها، اختيار الخلافة ومعزها، رضيّ الإمامة وأثيرها، فخر الملّة ومجدها، وشمس المعاني وملكها، سيد ملوك المشرق والمغرب وسلطانها، محي العدل في العالمين المظلومين من الظالمين ناصر دولة أمير المؤمنين. لكن نورالدين أسقط جميع الألقاب وطرح دعاءً واحد يقول: اللهم وأصلح عبدك الفقير محمود بن زنكي [3] ، وثمة رواية أخرى تمنحنا مزيدًا من الأضواء عن الموضع وتتضمن كلمات وجملًا من إنشاء نور الدين نفسه .. روي أنه كتب رقعة بخطه إلى وزيره خالد بن القيسراني - بعد أن استفزته كثرة الألقاب - بأمره أن يكتب له صورة ما يدعى له به على المنابر، وكان مقصوده صيانة الخطيب عن الكذب ولئلا يقول ما ليس فيه فكتب ابن القيسراني كلامًا ودعا له فيه ثم قال: وأرى أن يقال على المنبر: اللهم وأصلح عبدك الفقير إلى رحمتك، الخاضع لهيبتك، المعتصم بقوتك، المجاهد في سبيلك، المرابط لأعداء دينك، أبا القاسم محمود زنكي، فكان جواب نور الدين: هذا لا يدخله كذب ولا تزيّد. وكتب بخطه في أعلى
الصفحة: مقصودي أن لا يكذب على المنبر أنا بخلاف كل ما يقال. أفرح بما لا أعمل؟ والتفت إلى وزيره قائلًا: الذي كتبت به جيد: اكتب به نسخًا إلى البلاد [4] . ثم أضاف ثم يبدأون بالدعاء: اللهم أره الحق حقًا اللهم أسعده اللهم انصره، اللهم وفَّقه .. من هذا الجنس [5] .
(1) نور الدين محمود الرجل والتجربة ص 41.
(2) البرق ص 153 - 154 كتاب الروضتين نقلًا عن نور الدين ص 410.
(3) الكواكب ص 68 - 69 نورالدين محمود ص 42.
(4) مرآة الزمان (8/ 322/323) نور الدين محمود ص 43.
(5) هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص 274.