فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 650

العزيز، دولة العلماء، كما أن في دولة نور الدين مكانة للعلماء غير مسبوقة بالنسبة لمن سبقه من السلاجقة أو الحكام الذين حوله.

1 -تقديمه للعلماء على الأمراء: كان أمراء نور الدين يحسدون العلماء والفقهاء على مكانتهم عنده فكان إذا أعطى أحدًا منهم شيئًا مستكثرًا يقول لأصحابه: هؤلاء جند الله وبدعائهم ننتصر على الأعداء ولهم في بيت المال حق أضعاف ما أعطيهم، فإذا رضوا منا ببعض حقهم فلهم المنة علينا [1] . وكان هؤلاء الأمراء يحاولون أحيانًا الإيقاع برجال الدين والعلماء عند نور الدين، ينهاهم وإذا نقلوا عن إنسان عيبًا يدافع عنه ويقول لهم من المعصوم؟ ويكفينا هنا أن نذكر رده على بعض أكابر الأمراء عندما حاول النيل من الفقيه قطب الدين النيسابوري [2] ، عنده وكان نور الدين قد استقدمه من خراسان وبالغ في إكرامه والإحسان إليه فقال نور الدين له: يا هذا إن ما تقوله فله حسنة تغفر له كل زله تذكرها وهي العلم والدين، وأما أنت وأصحابك ففيك أضعاف ما ذكرت وليست لكم حسنة تغفرها لو عقلت لشغلك عيبك عن غيرك وأنا أحتمل سيئاتكم مع عدم حسناتكم، أفلا أحتمل سيئة هذا - إن صحت - مع وجود حسناته؟ على أنني والله لا أصدقك فيما تقول، وإن عدت ذكره أو غيره بسوء لأوذينَّك، فكف عنه [3] .

2 -البذل والعطاء للعلماء: لم يقف نور الدين في تعامله مع العلماء عند حدود التشجيع الأدبي والعلاقة الودية، والكلمة الطيبة ولكنه تجاوز هذا - على أهميته - إلى البذل والعطاء، فكان يمنحهم بسخاء مقدرًا أن هذه الفئة الممتازة يجب أن تظل عزيزة الجانب وألآ تلجئها الضرورات القاسية إلى أن تنزل درجات إلى أسفل فتحني رأسها وتلوي فكرها أو تتملق وتداهن وتغش وتكذب طلبًا للأجر وسدًا للحاجة، ويدرك في الوقت نفسه كم هي عظمة الجهود التي يبذلها هؤلاء الرجال [4] .

إن أمة تريد من علمائها أن يعطوها ثمار قرائحهم صافية خالصة عليها ألا تبخل عليهم بما يسدّ حاجتهم الضرورية ويفيض عليها لكي لا تشدّهم إلى أسفل، ولكي تظل رؤوسهم مرفوعة إلى فوق، فلا يشغلهم شيء في بحثهم عن الحقيقة، ولا تتدلى بهم حاجة عن المواقع التي بلغوها بعلمَّهم، كان نور الدين إذا أعطى أحدًا منهم الشيء الكثير يقول: هؤلاء جند الله وبدعائهم ننتصر على الأعداء ولهم في بيت المال أضعاف ما أعطيهم، فإذا رضوا منا ببعض حقهم فلهم المنّة علينا [5] ، ولم يبخل عليهم بتخصيص أوقاف ضخمة على المدارس وعلمائها حتى تحفظ لهم حياة كريمة.

(1) البداية والنهاية نقلًا عن دور الفقهاء والعلماء في الشرق الأدنى ص 122.

(2) دور الفقهاء، والعلماء في الشرق الأدني ص 123.

(3) الباهر نقلًا عن نور الدين محمود ص 134.

(4) نور الدين محمود الرجل والتجربة ص 140.

(5) الباهر ص 173 البداية والنهاية نقلا عن نور الدين محمود ص 141.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت