فهرس الكتاب

الصفحة 360 من 650

الصليبيون أن وجودهم أصبح مهددًا، فتوجهوا بأنظارهم صوب مصر وهيأوا لذلك، فأدرك القائد نور الدين ذلك، فتدخل على هذه الجبهة بنظرة إستراتيجية وأرسل ثلاث حملات متواليات تمكنت من إحباط خططهم وإنهاء الوضع المتردي في مصر ومن ثم إسقاط الدولة الفاطمية وتوحيدها مع الشام - كما سيأتي بيانه بإن الله تعالى.

وكان ابن عساكر في هذه الفترة مواكبًا لنور الدين ومحفزًا له وداعيًا للجهاد والتحرير، وكان يقول داعيًا للوحدة: لم يمكن الله أهل فرقة على جماعة أبدًا [1] ، وخطط نور الدين لجوله فاصلة مع الصليبيين تستخدم فيها طاقات الشام والجزيرة ومصر، والمغرب، وبلاد إسلامية أخرى، وبات متيقنًا بالنصر، وتسامع الناس أخبار ثقته بالنصر، فقد كان لنور الدين نجارًا بحلب يعرف بالأختريني من ضيعة قريبة من حلب تعرف"بأخترين"اشتهر ببراعته ودقة صنعه التي لا تجارى فأمره"أن يصنع منبرًا لبيت الله المقدس، ولبى الرجل ما ندب له، وبذل النجارون، الصناع في صناعته سنين وأبدعوا في تركيبه الإحكام والتزيين [2] ، واستطاع نور الدين من خلال وسائله وخططه وتواصله مع العلماء أن يقلب موازين الصراع لصلاحه، فالمعارك قبل نور الدين كانت تخوضها قوات محترفة تابعة للحكام المسلمين، ومنُذ أيام نور الدين بدأ عنصر المتطوعة يكثر ويندفع في المعارك، وباتت مع الأيام أعداد المتطوعة أكبر من أعداد الجند المحترفة، وكان ذلك كله، نتيجة تعبئة مشاعر الناس وتحريضهم على الجهاد، وندبهم إلى حمل السلاح وهو ما كان يتولاه الولاة والوعاظ، ويأتي ابن عساكر كبير علماء الشام ومحدثها الأول في مقدمة هؤلاء. وفي هذا المجال لابد من ملاحظة هامة وهي أن المتطوعة لم يقتصروا على سكان العراق وبلاد الشام، أو مصر بل تعداه إلى سكان المغرب والأندلس، فلقد كان المغاربة يأتون للجهاد والحج فيجاهدون ويحجون أو يحجون ويجاهدون، أو يجاهدون وتكتب لهم الشهادة، وكلنا يعلم أن أحد أهم أحياء دمشق هو حي (المغاربة) الذي يعود إنشاؤه إلى تلك المرحلة [3] ،"

ولقد تحدث عن المغاربة والأندلسيين ومشاركتهم في الجهاد ضد الصليبيين والعلاقات الثقافية والفكرية بين المغرب والأندلس وبين بلاد الشام والتأثيرات الفكرية بين العلماء، عدد من مؤرخي تلك الفترة وما بعدهم منهم، ياقوت الحموي في

(1) المصدر نفسه ص 48.

(2) كتاب الروضتين نقلا عن دوره في الجهاد ضد الصليبيين ص 48.

(3) ابن عساكر ودوره في الجهاد ضد الصليبيين ص 48 ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت