والتوكل عليه وحده أمر بالأخذ بالأسباب فقال مخبرًا عن عيسى بن مريم وهو يخاطب أمه:"وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رُطبًا جنيًّا" (مريم، آية: 25) إذ كان في قدرته سبحانه أن ينزل الرطب من غير أن تقوم مريم بهز الجذع [1] ، وأيضًا أخبر - عز وجل - أن يعقوب - عليه السلام - قال لبنيه:"لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون" (يوسف، آية: 67) فمع توكله على الله - عز وجل - أمر أولاده بالأخذ بالسبب وهو التفرق عند الدخول حتى لا يصابوا بالعين الحاسدة [2] ، أو يلفتوا الانتباه عند دخول مصر.
وعند الترمذي من حديث أنس بن مالك أن رجلًا قال النبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ قال صلى الله عليه وسلم: إعقلها وتوكل [3] .
ج- الخوف والرجاء: وهذان من أنواع العبادة التي أمر الله بها وأثنى على المؤمن المتحلي بها قال عز وجل في الخوف"ولمن خاف مقام ربه جنتان" (الرحمن، آية: 46) وقال في الرجاء"إن الذين ءامنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم" (البقرة، آية:218) . وقد تحدث الشيخ عبد القادر عن الخوف والرجاء فقال: من غلب رجاؤه خوفه تزندق، ومن غلب خوفه رجاؤه قنط والسلامة في اعتدالهما [4] ، وهذا الاعتدال يوافق ما قاله الإمام أحمد بن حنبل"ينبغي للمؤمن أن يكون رجاؤه وخوفه واحدًا [5] وأما حجم الخوف وقدره فيحدده ابن القيم - بأنه: ما حال بين صاحبه وبين محارم الله - عز وجل - فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط، ويذكر أنه سمع ابن تيمية يقول: الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله [6] ، وعن الرجاء يؤكد ابن القيم - أن"من رجا شيئًا استلزم رجاؤه ثلاثة أمور: الأول محبة ما يرجوه والثاني خوفه من فواته والثالث سعيه في تحصيله بحسب الإمكان، وأن الرجاء الذي لا يقارنه شيء من ذلك فهو من باب الأماني والرجاء شيء والأماني شيء آخر، فكل راج خائف، والله سبحانه وصف أهل السعادة بالإحسان مع الخوف ووصف الأشقياء بالإساءة مع الأمن [7] .
س- ما ينقض التوحيد: ولقد دعا الشيخ عبد القادر الجيلاني إلى التوحيد وحذَّر من
(1) الشيخ عبد القادر الجيلاني ص 141.
(2) المصدر نفسه ص 141.
(3) سنن الترمذي رقم 2519 وقد حسنَّه الألباني في صحيح الجامع رقم 1068.
(4) الفتح الرباني للجيلاني المجلس الخامس والعشرون ص 91.
(5) مسائل الإمام أحمد لابن هاني تحقيق الشاويش (2/ 178) .
(6) الشيخ عبد القادر الجيلاني ص 144 مدارج السالكين (1/ 511) .
(7) الجواب الكافي لابن القيم ص 46.