الصفحة 105 من 341

الأول: قول من يقول: إن الله قد نصب على الحق في كل مسألة دليلًا يعرف به، يتمكن كل من اجتهد واستفرغ وسعه أن يعرف الحق، وكل من لم يعرف الحق في مسألة أصولية أو فروعية فإنما هو لتفريطه فيما يجب عليه، لا لعجزه . وهذا القول هو المشهور عن القدرية والمعتزلة، وهو قول طائفة من أهل الكلام غير هؤلاء، ثم قال هؤلاء: أما المسائل العلمية فعليها أدلة قطعية تعرف بها، فكل من لم يعرفها فإنه لم يستفرغ وسعه في طلب الحق فيأثم . وأما المسائل العملية الشرعية فلهم مذهبان:

أحدهما: أنها كالعلمية، وأنه على كل مسألة دليل قطعي من خالفه فهو آثم، وهؤلاء الذين يقولون: المصيب واحد في كل مسألة أصلية وفرعية، وكل من سوي المصيب فهو آثم؛ لأنه مخطئ والخطأ والإثم عندهم متلازمان، وهذا قول بِشْر المريسي وكثير من المعتزلة البغداديين .

الثاني: أن المسائل العملية إن كان عليها دليل قطعي فإن من خالفه آثم مخطئ كالعلمية، وإن لم يكن عليها دليل قطعي فليس لله فيها حكم في الباطن، وحكم الله في حق كل مجتهد ما أداه اجتهاده إليه .

وهؤلاء وافقوا الأولين في أن الخطأ والإثم متلازمان، وإن كان مخطئ آثم، لكن خالفوهم في المسائل الاجتهادية، فقالوا: ليس فيها قاطع، والظن ليس عليه دليل عند هؤلاء، وإنما هو من جنس ميل النفوس إلى شيء دون شيء، فجعلوا الاعتقادات الظنية من جنس الإرادات، وادعوا أنه ليس في نفس الأمر حكم مطلوب بالاجتهاد، والإثم في نفس الأمر أمارة أرجح من أمارة، وهذا القول قول أبي الهُذَيْل العَلاَّف ومن اتبعه كالجِبَائي وابنه، وهو أحد قولي الأشعري وأشهرهما، وهو اختيار القاضي الباقلاني وأبي حامد الغزالي، وأبي بكر بن العربي؛ ومن اتبعهم . وقد بسطنا القول في ذلك بسطًا كثيرًا في غير هذا الموضع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت