الصفحة 160 من 341

إن الخلفاء الراشدين قضوا بتضمين الصناع، ووجه المصلحة فيه أن الناس لهم حاجة إلى الصناع، وهم يغيبون عن الأمتعة في غالب الأحوال، والأغلب عليهم التفريط وترك الحفظ، فلو لم يثبت تضمينهم مع مسيس الحاجة إلى استعمالهم لأفضى ذلك إلى أحد أمرين: إما ترك الاستصناع بالكلية، وذلك شاق على الخلق، وإما أن يعملوا ولا يضمنوا ذلك بدعواهم الهلاك والضياع، فتضيع الأموال، ويقل الاحتراز، وتتطرق الخيانة؛ فكانت المصلحة التضمين.

ولا يقال: إن هذا نوع من الفساد وهو تضمين البريء، إذ لعله ما أفسد، ولا فرط؛ فالتضمين مع ذلك كان نوعًا من الفساد، لأنا نقول: إذا تقابلت المصلحة والمضرة فشأن العقلاء النظر إلى التفاوت ووقوع التلف من الصناع من غير تسبب ولا تفريط بعيد، والغالب الفوت فوت الأموال، وأنها لا تستند إلى التلف السماوي، بل ترجع إلى صنع العباد على المباشرة أو التفريط.

(المثال الثالث)

إنا إذا قررنا إمامًا مطاعًا مفتقرًا إلى تكثير الجنود لسد الثغور وحماية الملك، المتسع الأقطار، وخلا بيت المال، وارتفعت حاجات الجند إلى مالا يكفيهم، فللإمام إذا كان عدلًا أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافيًا لهم في الحال، إلى أن يظهر مال بيت المال.

وإنما لم ينقل مثل هذا عن الأولين لاتساع مال بيت المال في زمانهم بخلاف زماننا، فإن القضية فيه أحرى، ووجه المصلحة هنا ظاهر؛ فإنه لو لم يفعل الإمام ذلك النظام صارت ديارنا عرضة لاستيلاء الكفار، وشرط جواز ذلك كله عندهم عدالة الإمام، وإيقاع التصرف في أخذ المال وإعطائه على الوجه المشروع.

(المثال الرابع)

انه يجوز قتل الجماعة بالواحد، والمستند فيه المصلحة المرسلة؛ إذ لا نص على عين المسألة ولكنه منقول عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت