الصفحة 178 من 341

أما شيخ الإسلام بن تيميه رحمه الله، فإنه عندما استفتى في قتل من ظلمه، وهم ممن امتحنه على مثل ما امتحن عليه الامام احمد، قال: ففهمت مقصوده - يعني السلطان - إن عنده حنقا شديدا عليهم، لما خلعوه، وبايعوا الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير ، فشرعت في مدحهم والثناء عليهم، وشكرهم، وان هؤلاء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك، أما أنا فهم في حل من حقي ومن جهتي وسكنت ما عنده عليهم (العقود الدرية ص 187) .

قال في العقود الدرية: فكان القاضي زين الدين ابن مخلوف - قاضي الملكية - يقول بعد ذلك: (ما رأينا أتقى من ابن تيميه، لم نبق ممكنا في السعي فيه، ولما قدر علينا عفى عنا ) المصدر السابق.

وانما فعل هذا - رحمه الله - لان عزلهم سيوقع في ضرر اعظم من بقائهم، فان اكثر القضاء والعلماء قد شاع فيهم كثير من الأقوال المبتدعة، فلو عزلوا لاحتاج الناس إلى القضاة والفتيا، ولاضطربت ديانتهم، وأحوال شريعتهم الظاهرة، مما يوجب أنواعا من الفساد في الدين، عظم ضررا من تلك الأقوال المبتدعة التي هي محصورة في اولئك المتفقهة، وحتى لو كانوا يدعون إليها، فهي أقل ضررا أيضا .

وكان شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله يقول: فانه يبني على الأصل الذي قدمناه من انه قد يقترن بالحسنات سيئات، إما مغفورة واما غير مغفورة ، وقد يتعذر أو يتعسر على السالك سلوك الطريق المشروعة المحضة، إلا بنوع من المحدث لعدم القائم بالطريق المشروعة علما وعملا، فإذا لم يحصل النور الصافي، بان لم يوجد إلا النور الذي ليس بصاف، وإلا بقي الإنسان في الظلمة، فلا ينبغي أن يعيب الرجل وينهى عن نور فيه ظلمه إلا إذا حصل نور لا ظلمه فيه، وإلا فكم ممن عدل عن ذلك يخرج عن النور بالكلية، إذا خرج غيره عن ذلك، لما رآه في طريق الناس من الظلمه, وانما قررت هذه القاعدة ليحمل ذم السلف والعلماء للشيء على موضعه (مجموع الفتاوى 10/365)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت