والمقصود هنا أن معاملة كثير من السلف لاهل البدع بالهجر هو أيضا منوط بأحوال اقترنت بذلك كانت موجودة في عصرهم اقتضت أن تكون هذه الوسيلة محققة لغرض الشارع من أنكار المنكر والأمر بالمعروف ولا يجوز أن يطلق القول بها مرسلا عن هذه الحكمة احتجاجا بفعل من فعله من السلف والله أعلم.
الضابط الثالث:
هو انه من القواعد المتقررة عند أهل العلم - من أهل السنة - أن العالم لا يحكم عليه بالزلة، فمن غلبت حسناته سيئاته ، وهبت سيئاته لحسناته ، عن القاسم بن محمد أن رجلا قال:عجبت من عائشة حين كانت تصلي أربعا في السفر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين ؟ فقال له القاسم بن محمد: (عليك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قل من الناس من لا يعاب) . قال أبو عمر بن عبد البر: قول القاسم هذا في عائشة ، يشبه قول سعيد بن المسيب حيث قال: ليس من عالم ولا شريف ولا فضل إلا وفيه عيب ، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه ومن كان فضله اكثر من نقصه ذهب نقصه لفضله) التمهيد 11/170
وقال الإمام الذهبي رحمه الله: ثم إن الكبير من أئمة العلم ، إذا كثر صوابه ، وعلم تحريه للحق واتسع علمه، وظهر ذكاؤه ، وعرف صلاحه ، وورعه ، واتباعه ، تغفر له زلته ، ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه ، ونرجوا له التوبة من ذلك) السير 5/271
وقال رحمه الله: (والكمال عزيز ، وانما يمدح العالم بكثرة ماله من الفضائل ، فلا تدفن المحاسن لورطة ولعله رجع عنها ، وقد يغفر له في استفراغه الوسع في طلب الحق ولا حول ولا قوة إلا بالله ) السير 16/285.