فالهجرة تارة تكون من نوع التقوى، إذا كانت هجرا للسيئات، كما قال تعالى: ( وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) [ الأنعام: 68، 69 ] ، فبين - سبحانه - أن المتقين خلاف الظالمين، وأن المأمورين بهجران مجالس الخوض في آيات اللّه هم المتقون .
وتارة تكون من نوع الجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . وإقامة الحدود وهو عقوبة من اعتدى وكان ظالما . وعقوبة الظالم وتعزيره مشروط بالقدرة ؛فلهذا اختلف حكم الشرع في نوعى الهجرتين: بين القادر والعاجز، وبين قلة نوع الظالم المبتدع وكثرته وقوته وضعفه، كما يختلف الحكم بذلك في سائر أنواع الظلم، من الكفر والفسوق والعصيان . فإن كل ما حرمه اللّه، فهو ظلم؛ إما في حق اللّه فقط، وإما في حق عباده، وإما فيهما . وما أمر به من هجر الترك والانتهاء وهجر العقوبة والتعزير، إنما هو إذا لم يكن فيه مصلحة دينية راجحة على فعله، وإلا فإذا كان في السيئة حسنة راجحة، لم تكن سيئة، وإذا كان في العقوبة مفسدة راجحة على الجريمة، لم تكن حسنة، بل تكون سيئة، وإن كانت مكافئة لم تكن حسنة ولا سيئة .