وكثير من أجوبة الإمام أحمد، وغيره من الأئمة، خرج على سؤال سائل قد علم المسؤول حاله، أو خرج خطابا لمعين قد علم حاله، فيكون بمنزلة قضايا الأعيان الصادرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يثبت حكمها في نظيرها . فإن أقواما جعلوا ذلك عامًا، فاستعملوا من الهجر . والإنكار ما لم يؤمروا به، فلا يجب ولا يستحب، وربما تركوا به واجبات أو مستحبات، وفعلوا به محرمات . وآخرون أعرضوا عن ذلك بالكلية، فلم يهجروا ما أمروا بهجره من السيئات البدعية، بل تركوها ترك المعرض، لا ترك المنتهى الكاره، أو وقعوا فيها، وقد يتركونها ترك المنتهى الكاره، ولا ينهون عنها غيرهم، ولا يعاقبون بالهجرة ونحوها من يستحق العقوبة عليها، فيكونون قد ضيعوا من النهى عن المنكر ما أمروا به إيجابا أو استحبابا، فهم بين فعل المنكر أو ترك النهى عنه، وذلك فعل ما نهوا عنه وترك ما أمروا به، فهذا هذا . ودين اللّه وسط بين الغالى فيه، والجافى عنه . واللّه سبحانه أعلم .
مسألة: هجرأهل البدع العلمية كأهل بدعة (السماع) الصوفي:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في (مجموع الفتاوى 11/591-592) :
فأما سماع القاصدين لصلاح القلوب في الاجتماع على ذلك: إما نشيد مجرد، نظير الغبار، وإما بالتصفيق، ونحو ذلك . فهو السماع المحدث في الإسلام، فإنه أحدث بعد ذهاب القرون الثلاثة الذين أثنى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: ( خير القرون: القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ) ، وقد كرهه أعيان الأمة ولم يحضره أكابر المشايخ .
وقال الشافعي - رحمه الله: خلفت ببغداد شيئًا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن .