فهرس الكتاب
ولو تُرك للأعداء السكوت في مثل هذه الحالات، لتسلط العدو في كل ناحية بهذه الاجتهادات، ولصرنا نهبًا للكفار في كل مكان. ولذلك نقول لأصحاب هذه الفتاوى: أرأيتم يا من تقولون هذا الكلام لو هجم هذا العدو على بلاد المسلمين في أماكن أخرى، أرأيتم لو هجموا على مكة المكرمة أو على المدينة المنورة - والعياذ بالله - هل نأتي ونقول: إنهم لا يُجاهَدُون؛ لأن العدو كبير، وإن قوتهم أكبر من قوة المسلمين وإلى آخره، هذا لا يقوله مسلم عنده مِسْكَةٌ عقل، فضلًا عن كونه من أهل العلم - والحمد لله- نسأل الله أن يبصر المسلمين بالحق ويرزقهم اتباعه، والله - تعالى - أعلم .
ولعل فيما ذكرنا ردًا شافيًا على هذه الشبهة والحمد لله.
المسألة الثالثة:
مراتب إنكار المنكر وبيان ما يشترط فيه إذن ولي الأمر وما لا يشترط فيه ذلك.
قال أحمد بن عبدالرحمن بن قدامه المقدسي في (مختصر منهاج القاصدين/ 129-130) :
واشترط قوم كون المنكر مأذونًا فيه من جهة الإمام أو الوالي، ولم يجيزوا لآحاد الرعية الحسبة، وهذا فاسد، لأن الآيات والأخبار عامة تدل على أن كل من رأى منكرًا فسكت عنه عصى، فالتخصيص بإذن الإمام تحكم . ومن العجب أن الروافض زادوا على هذا فقالوا: لا يجوز الأمر بالمعروف ما لم يخرج الإمام المعصوم، والجواب على ذلك أن يقال لهم إذا جاءوا إلى القاضي طالبين حقوقهم: نصرتكم أمر بالمعروف، واستخراج حقوقكم من يد من ظلمكم نهى عن المنكر، ولم يجئ زمان ذلك لأن الإمام لم يخرج بعد .
فإن قيل: في الأمر بالمعروف إثبات سلطنة وولاية على المحكوم عليه، ولذلك لم يثبت للكافر على المسلم، مع كونه حقًا، فينبغي أن لا يثبت لآحاد الرعية إلا بتفويض من السلطان .
قلنا: أما الكافر فممنوع من ذلك لما فيه من السلطة والعز، وأما آحاد المسلمين فيستحقون هذا العز بالدين والمعرف
قال أبوحامد الغزالي - رحمه الله في (إحياء علوم الدين) :