إن المقصود ب ( الذات ) في سياق هذه الدراسة العالم الإسلامي بمشاربه الحضارية واللغوية المتباينة ، وأقاليمه الجغرافية القاصية والدانية ، فالإسلام يعدّ الآصرة الدينية التي تلحم بين الشعوب والأقطار ، والرافد الذي يثري حضارة الأمة ، ويبرز كيانها المستقل ، فلا بدع أن تميّز أمة بإسلامها ، فيصير لها شعارًا ودثارًا ، بل ومنطلقًا في حلائب العطاء والبناء والحوار الحضاري .
والعالم الإسلامي ، اليوم ، قطب بارز في عملية الحوار الحضاري ، إذ له من الوزن البشري والاقتصادي ، ووفرة الأتباع والأشياع ، ما يحمل الآخر المختلف حملًا على إعداد العدّة لمواجهته وإزالة سلطانه ، وإذا كان هذا الآخر يلهج أحيانا بحتمية الحوار الحضاري ، فإن ذلك لا يعدو الشقشقة الفارغة في أكثر الأحوال ، وربما كان المقصود من هذه الدعوة استطلاع المواقف الدفاعية للآخر / المسلم تمهيدًا للانقضاض عليه .
3 _ الآخر
إن استعمال مصطلح (الآخر ) بمعنى الغرب المسيحي _ اليهودي بمختلف أقاليمه الجغرافية ، ومتباين مشاربه الدينية والحضارية ، إطلاق شائع على ألسنة المفكرين والكتاب ، لا يكاد يخلو منه حديث عن الإسلام والغرب ، وآفاق العلاقة بينهما في القديم والحديث ، وإذا كنا نميل إلى هذا الإطلاق في سياق هذه الدراسة جريًا على عرف اصطلاحي دارج ، فإننا نلحّ ، في الآن عينه ، على التوسّع فيه توخيًا للدقة والاستيفاء ، ذلك أن كتاب العصر يحصرون ( الآخر ) في الغربي تارة ، والمسيحي تارة ، والأمريكي تارة ثالثة ، مع أن المصطلح لا يضيق في إهابه الدلالي عن كل مختلفٍ في دينه وحضارته أيا كان لونه أو جنسه أو موقعه الجغرافي .
فالآخر يمكن أن ينتمي ، إذًا ، إلى حضارة إفريقيا أو آسيا أو أمريكا اللاتينية أو اليابان ، مادام مختلفًا في دينه وحضارته عن العالم الإسلامي عقيدة وتاريخًا ومنهجَ حياة .
المبحث الثاني:
الذات والآخر: علاقة خصام أو وئام ؟