3ـ ... أنه بسبب ما آل إليه من اتفاق على بنود الصلح التي يدل ظاهرها على كثير من الإجحاف والتنازل الملفت للانتباه، أظْهَرَ أغلبُ الصحابة شيئًا من الرفض و عدم التسليم بما جاء في الصلح، كاد يصل بهم إلى العصيان.كل ذلك وغيره، دعاني إلى أن أقف على حادثة صلح الحديبية، وأجعلها أنموذجًا يُقتدى به في كل حوار هادئ وهادف، سواء أكان الحوار بينيًا ـ فيما بين المسلمين ـ أم كان الحوار مع الغير؛ إذ لم يعدم الحوار في صلح الحديبية مع جميع الأطراف. وحوار الأطراف الخاص كان فتحًا ومدخلًا لحوار عام وشامل خلص منه صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نجيًا إلى بث الدعوة والمناظرة جهارًا نهارًا، وقد كانوا من قبل لا يأمنون على أنفسهم من ذلك، بل خروجهم من ديارهم من قبل كان بسبب ذلك.
ولا ينبغي أن يعزب عنا قوله - صلى الله عليه وسلم - في هذا المقام لما اضطرته قريش إلى الهجرة فقال مخاطبًا بلده مكة المكرمة: (ما أطيبك من بلدة وأحبك إلي ولو لا أن قومك أخرجوني ما سكنت غيرك.) (1) .
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين في أول كتاب المناسك (1/661) (1787) ، بلفظه، وأخرجه ابن حبان ـ الصحيح ـ في الحج ـ باب فضل الحج والعمرة ـ ذكر البيان بأن مكة كانت أحب الأرض إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأخرجه أحمد حديث رقم (18737) (4/305) ، وأخرجه الدارمي في السير ـ باب إخراج النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة ـ بلفظ: والله إنك لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلى اللَّهِ وَلَوْلَا أني أُخْرِجْتُ مِنْكِ ما خَرَجْتُ، حديث رقم (2510) (2/311) ، وأخرجه الترمذي في المناقب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ـ باب في فضل مكة ـ حديث رقم (3925) (5/722) ، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح.