وأريد أن أشير هنا إلى الخلاف الحاصل في تسمية حادثة الحديبية، وأن تسميتي لها بالصلح، إن هو إلا ترجيح شَدَّني إليه موضوع المداخلة، فضلا عن أنَّ أحدًا لا يماري في أنها كانت مقدمة الفتح المبين، فوجب العدول عن غيرها من التسميات؛ إذ سماها البعض بأمر الحديبية (1) ، وبعضهم بقصة الحديبية (2) ، وبعضهم بعمرة الحديبية (3) ، وثمة من سماها بغزوة الحديبية (4) .
ولعل كل فريق من هؤلاء كانت تسميته لها باعتبارٍ مَا، وَوَفْقَ مُرجح توصل إليه، وأحسبُ أنَّ جميع التَّسميات لا تتعارض مع ما ذهبت إليه، وإن كان قد يشكل على من سمَّاها بالغزوة؛ إذ الغزو فيها لم يقع حقيقة، وأنَّ الفتح الذي يتحقق بالغزو، غير الفتح الذي يتم بالصلح، وأنَّ العبرة في التسمية لفعل الشارع وإلى ما قضى به لا إلى ما اعتاده الغير من الأفعال والتصرفات والتسميات.
وعليه فقبل أن ننظر في موافقة التسمية لاصطلاح أهل السير والحديث، وأنه تم إطباق الصحابة - رضي الله عنهم - على ذينك الاسم والاصطلاح (5) ، كان لا بد أن ننظر ابتداءً وانتهاءً إلى مآلات أفعال الشارع وتصرفاته، وأنه كما نتقيد بأمر الشارع ونهيه في عموم التكاليف الشرعية، فإنه يجب أيضا التقيد بأوامره ونواهيه في شؤون الحرب والسلم أيضًا وإن كان مجتهدا؛ لأن الله تعالى لا يُقره على خطأ؛ لذا قال تعالى { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى } (6) .
(1) ينظر: سيرة ابن هشام (3/308) ، المواهب اللدنية بشرح الزرقاني (2/179) .
(2) ينظر: تاريخ الطبري (2/71) ، زاد المعاد (3/286) .
(3) ينظر: الدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر ص 204، فقه السيرة للشيخ الغزالي
ص 348.
(4) ينظر: تاريخ خليفة ابن خياط ص81، فقه السيرة أ.د محمد سعيد رمضان البوطي ص 230.
(5) هذه هي أهم مرجحات صاحب رسالة: مرويات غزوة الحديبية، د. حافظ بن محمد عبد الله الحكمي،
ص 16.
(6) النجم:3،4.