فهرس الكتاب

الصفحة 410 من 764

وقد علمت من قَبل ـ في حديث الحوار ـ ما دار بينه وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حوار أدى في الأخير إلى الاعتراف بما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - من قوة الحجة والبرهان على صدق طرح خطة الصلح التي لا مناص منها لقريش، إن هي رضيت لنفسها النجاة، و إلا فَلِمَ جعل مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - يفوق مقام ملوك ذلك العصر؟؛ إذ قال لمَّا رَجَعَ إلى أَصْحَابِهِ:"أَيْ قَوْمِ، والله لقد وَفَدْتُ على الْمُلُوكِ، وَوَفَدْتُ على قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ، واللهِ إِنْ رَأْيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ ما يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - مُحَمَّدًا، والله إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إلا وَقَعَتْ في كَفِّ رَجُلٍ منهم فَدَلَكَ بها وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وإذا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وإذا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ على وَضُوئِهِ، وإذا تَكَلَّمُوا خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وما يُحِدُّونَ إليه النَّظَرَ تَعْظِيمًا له. وَإِنَّهُ قد عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا." (1) .

ولم يكن ليحصل من عروة مثل هذا الاعتراف، والتصوير الدقيق لمحمد - صلى الله عليه وسلم - وصحبه، لولا جودة عقله ويقظته، فضلا عما كان عليه الصحابة من المبالغة في تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم - وتوقيره ومراعاة أموره وردع من جفا عليه بقول أو فعل، وقد كان عروة بن مسعود شاهدًا على ذلك، لذا لم يأل جهدًا في النصح لقريش.

(1) سبق تخريجه في ص 9 من هذا البحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت