فهرس الكتاب
... على أن في القرآن وجوها كثيرة من الإعجاز التشريعي والإخبار بالغيوب، والإعجاز العلمي، وغير ذلك، فهو كتاب لا تنقضي عجائبه، والإيمان به تثبيت لنبوة الأنبياء والمرسلين جميعا، والكفر به هو كفر بهم جميعا، إذ لا سبيل لإثبات معجزاتهم بالعين المجردة الآن، ولكن لما صدقنا بالقرآن صدقنا بكل ما فيه من أخبار، فمن جحد نبوة محمد فقد جحد نبوة نبيه أيضا، لألن الإيمان بالقرآن والاحتكام إليه هما السبيل الوحيد لإثبات الحق في هذه الحياة ولجم المنافقين والملحدين على مر العصور.
13-استخدام التشبيه
التشبيه هو: (الدلالة على مشاركة أمر لأمر في معنى) (1) ، وهو كثير في القرآن كما هو الحال في اللغة أيضا، وهو أحد وسائل القرآن لتوضيح الفكرة، وإقامة الحجة.
وتشبيهات القرآن جميعها سواء كانت مفردة أو مركبة، تمثيلية أو غير تمثيلية تدفع بالفكر في آفاق عليا، وتحرك الخيال في اتجاهات متعددة وعوالم مختلفة، خذ مثلا قوله تعالى: (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ) (القارعة:4) وتأمل كيف ربط في هذا التشبيه بين حركة الناس وما يصحبها من تدافع وتصادم وهول واقتحام بحركة الفراش المتطاير المتدافع المقتحم، فقد تحدث عن المستقبل كما لو كان حاضرا، وربط بين الدنيا والآخرة في آية واحدة، ثم أعقبها بقوله: (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ) (القارعة:5) ، والعهن هو الصوف والمنفوش: الذي شرع في الذهاب والتمزق، فانظر إلى ثبات الجبال وقوتها كيف صار هباء، ففي آيتين اثنتين تبين ما تؤول إليه صورة العالم من التبدل والمغايرة يوم القيامة، وذلك من خلال التشبيه الذي يثري الخيال تدفقا وحيوية وإثارة.
(1) - التلخيص في علوم البلاغة، للخطيب القزويني، شرح: عبد الرحمن البرقوقي، ص (238) ، دار الفكر العربي.