وقد رد الإمام الطبري على من زعم أن تعاطي الأسباب يؤثر في كمال التوكل فقال: الحق أن من وثق بالله، وأيقن أن قضاءه عليه ماض ، لم يقدح في توكله تعاطيه الأسباب ، إتباعًا لسنته وسنة رسوله ، فقد ظاهر - صلى الله عليه وسلم - بين درعين ، ولبس على رأسه المغفر . وأقعد الرماة على فم الشعب ، وخندق حول المدينة ، وأذن في الهجرة إلى الحبشة ، وإلى المدينة ، وهاجر هو ، وتعاطى أسباب الأكل والشرب ، وادخر لأهله قوتهم ، ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء ، وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك (1) .
ولاشك أن الحوار مع الآخر يستوجب خطة محددة تبين القضايا موضع الخلاف ، والأسس التي يجب أن يقوم عليها الحوار ، والأساليب والوسائل اللازمة لإنجاحه مع تحديد الأهداف المطلوب تحقيقها من هذا الحوار، وتقويم الخطة وما أنجز منها ، وما ترتب عليها من آثار إيجابية وسلبية إن وجدت ، على أن يقوم بإنجاز هذه الخطة مسؤولون متخصصون معروفون بالاعتدال والفطنة والإنصاف والعدالة ، وقد بينت الشريعة هذه الشروط والصفات التي يجب أن تتوفر في علماء الأمة الثقات .
ثانيًا: المنهج الصحيح:
يتضمن المنهج المحتوى المعرفي الذي نقدمه لفئة أو جماعة بعينها وآليات تقديم هذا المحتوى وعرضه وتوصيله ، وأهداف خاصة بالمحتوى المعرفي ، وأهداف عامة تتصل بالمجال المعرفي .
ولاشك أن لكل مقام مقال ، والحوار الفكري الذي نريد أن نطوره ، وأن نعمل على تفعيله وتقويمه يتطلب منا- عند وضع الخطة- معرفة الأسلوب الذي يجب أن نتعامل به مع المخالفين في إطار الأمة ، وخارج نطاق الأمة على المستوى العالمي.
وإذا كانت أسس الحوار لا تنفك عن أهدافه ، فإن صحة الأهداف ووضوحها وخيرتها تمكننا من تقويم المنهج الذي نتبعه وتحديد ضوابطه وآليات تنفيذه ، كما تمكننا من تحديد معوقات هذا التنفيذ على المستوى النظري والتطبيقي .
(1) نيل الأوطار ، 9/92 ، الرسول والعلم ص44-45 .