-ممكن أن نجيب بجواب آخر: وهو أن المسجد الحرام لم يكن بحاجة في ذلك الوقت إلى شيء يصرف عليه ففيه أستار جديدة باعتبار أن هذه قديمة وفيه المصالح الأخرى التي يحتاج إليها المسجد لاسيما وأن المساجد في القديم لا تحتاج إلى نفقات كثيرة كمساجدنا اليوم لأنها مساجد بسيطة حصر وقناديل توقد بالزيت فإذا وجد الزيت للسنة كاملة ربما لا يحتاج أهل المجد إلى مصاريف أخرى ولا نفقات فلعل هذا هو الجواب وإن كان دليلًا قويًا في الحقيقة للحنابلة لكن نقول ما دام أمكن الجواب عنه فلعل الراجح وهو من مصلحة الواقف أن لا نصرف الوقف إلا في المسجد.
وينبغي أن نتقيد بهذا لأنه يوجد في الحقيقة فرق كبير بين الصدقة المجردة وبين الوقف بدليل: أن الأوقاف تستمر مدد طويلة بل رصد بعضهم استمرار أوقاف الصحابة إلى قرون قريبة من وقتنا هذا.
والأوقاف الموجودة الآن في البلدان الإسلامية القديمة ما زالت موجودة ومعروفة إلى الآن مثلًا: أوقاف المدارس الموجودة في دمشق كثير منها موجود إلى الآن باسمها - الظاهرية - الصالحية - دار الحديث .. والسبب أنه صدقة أو أنه وقف؟ أنه وقف وهذه الأوقاف خرجت عددا كبير من العلماء جدًا بسبب هذا الاستمرار والمدارس الموجودة مثلًا في دمشق خرجت أعلام الأمة كالنووي مثلًا.
[ذكر شيخنا شيئًا من سيرة النووي رحمه الله]
وكان من أعظم أسباب استمرارية الشيخ وطلبه العلم هو هذا الوقف.
فالأوقاف عظيمة في الإسلام وهي من محاسن الدين وهي التي تستمر ولهذا نجد أنه كما قلت لكم في أول الباب أن جابر يقول: ليس أحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يجد القدرة إلا أوقف.
إذًا هذا كله يؤيد ما تقدم من أنه يجب أن نخرج المال من الوقف إلى الوقف ولا نخرجه إلى جنس آخر كالصدقة.
وبهذا انتهى ولله الحمد ما يتعلق بالوقف وننتقل إلى الباب الذي بعده.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ:
الهبة والعطية والصدقة والهدية ألفاظ متقاربة إلا أنه بين الهبة والعطية والصدقة والهدية فرق.
والفرق هو: أن الهبة والعطية أوسع مدلولًا من الصدقة والهدية.
هذا من جهة.