الصفحة 17 من 96

وقد قال جماعة من فقهاء الشافعية بأن الطائف إذا أخلَّ بهذه الصفة في بعض طوافه فلم يجعل البيت عن يساره لزحمة ونحوها فاستقبل البيت أو جعله عن يمينه فإن طوافه صحيح كما هو ظاهر من كلام النووي رحمه الله الذي تقدم قريبًا (1) .

والذي يظهر لي أن القول بصحة الطواف فيما إذا أخلَّ بهذه الصفة لأجل الزحام قول قوي جدًا، لاسيما وأن زحام الناس في أيام الحج ونحوها من المواسم لا يملك الطائف جعل البيت عن يساره في جميع الطواف بل كثيرًا ما يطاف به وتسيره أمواج الناس. فالقول بعدم صحة الطواف إذا اختلت هذه الصفة في بعضه فيه حرج ومشقة تأباه أصول الشريعة وقواعدها فإن إلزام الطائف بإعادة ما طافه يترتب عليه أذى وتأذٍ بالغان فالطائف قد لا يسلم ولا يسلم منه مع كونه موافقًا لسير الناس، فكيف إذا كان في مواجهة أمواج الناس؟! وحتى إذا قيل يجب إعادة الشوط فإن في ذلك مشقة بالغة وإلزامًا للناس بما لم يظهر وجوبه. ومما يشهد لهذا أن الحاجة داعية إلى بيان مثل هذا لقيام موجبه من زحام أو طواف راكبًا، فقد طاف النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعض أصحابه راكبًا ومعلوم أن الراكب قد تميل به دابته فيكون مستقبلًا البيت في بعض طوافه أو مستدبرًا أو منحرفًا عن أن يكون البيت عن يساره، ومع ذلك لم يأت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من أصحابه شيء يستمسك به في إلزام الناس بوجوب إعادة خطوات أو شوط لأجل فوات كون البيت عن يساره في بعض طوافه، والله أعلم.

المطلب الثاني: أثر الزحام في الرَّمَل

المسألة الأولى: تعريف الرَّمَل وبيان حكمه

ا…لرَّمَل: بفتح الراء والميم، وهو سرعة المشي مع تقارب الخطى، وهو الخبب.

والرَّمَل في الجملة سنة من سنن الطواف الذي يعقبه سعي في قول جماهير أهل العلم من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية، وغيرهم (2) .

(2) …هداية السالك لابن جماعة ( 3/954- 955) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت