فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 63

بأشد مما أنت مبتلى به؟ فهل تجد استشناعك ما هو عليه مساويًا لاستشناعك ما أنت عليه، وتجد مقتك نفسك مساويًا لمقتك إياه؟

وبالجملة فمسالك الهوى أكثر من أن تحصى وقد جربت نفسي أنني ربما أنظر في القضية زاعمًا أنه لا هوى لي فيلوح لي فيها معنى، فأقرره تقريرًا يعجبني، ثم يلوح لي ما يخدش في ذاك المعنى، فأجدني أتبرم بذلك الخادش وتنازعني نفسي إلى تكلف الجواب عنه وغض النظر عن مناقشة ذاك الجواب؛ وإنما هذا لأني لما قررت ذاك المعنى أولًا تقريرًا أعجبني صرت أهوى صحته، هذا مع أنه لم يعلم بذلك أحد من الناس، فكيف إذا كنت قد أذعته في الناس ثم لاح لي الخدش؟ فكيف لو لم يلح لي الخدش ولكن رجلًا آخر اعترض علي به؟ فكيف لو كان المعترض ممن أكرهه.

والعالم قد يقصر في الاحتراس من هواه ويسامح نفسه فتميل إلى الباطل فينصره، وهو يتوهم أنه لم يخرج من الحق ولم يعاده وهذا لا يكاد ينجو منه إلا المعصوم، وإنما يتفاوت العلماء، فمنهم من يكثر منه الاسترسال مع هواه، ويفحش حتى يقطع من لا يعرف طباع الناس ومقدار تأثير الهوى بأنه متعمد، ومنهم من يقل ذلك منه ويخف، ومن تتبع كتب المؤلفين الذين لم يسندوا اجتهادهم إلى الكتاب والسنة رأسًا رأى فيها العجب العجاب، ولكنه لا يتبين له ذلك إلا في المواضع التي لا يكون له فيها هوى. أو يكون هواه مخالفًا لما في تلك الكتب على أنه إذا استرسل مع هواه زعم أن موافقيه براء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت