الصفحة 33 من 58

ولو كان هذا التأويل الذي تأولوه عليه تأويلًا صحيحًا لسبقونا إليه علمًا وعملًا، إذ لم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره ويقول: يا رسول الله، فعلت كذا وكذا، فاستغفر لي، ولا شكا إليه - صلى الله عليه وسلم - أحد منهم ولا سأله، ثم إنه لو كان استغفاره لمن جاءه مستغفرًا بعد موته ممكنًا أو مشروعًا لكان كماله شفقته ورحمته - صلى الله عليه وسلم - بأمته يقتضي ترغيبهم في ذلك وحضهم عليه ولكان الصحابة والتابعون أرغب شيء فيه وأسبق إليه، ولشرع لكل مذنب أن يأتي إلى قبره يستغفر له، وأصبح القبر أعظم أعياد المذنبين، وهذه مضادة صريحة لدينه - صلى الله عليه وسلم - وما جاء به [1] .

وليس لأحد بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأتي قبره ويقصده بالدعاء أو أن يسأله أن يشفع له عند ربه ويستغفر الله له، لأن استغفاره - صلى الله عليه وسلم - قد انقطع بوفاته وانتقاله - صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى وكذا قبر غيره من الصالحين لا يجوز إتيانها وسؤال الله عندها واستغفاره من ذنوب اقترفها العبد، لأن وفاتهم حالت دون الاستغفار ودون أي عمل آخر كانوا يعملونه حال حياتهم فيما يجوز من سؤال الحي ولا يجوز سؤاله للميت، لأنه يفضي إلى الشرك، ولأن الميت انقطع عنه التكليف.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: وقصد القبور لأجل الدعاء عندها، رجاء الإجابة ليس من شريعة الإسلام لا واجبًا ولا مستحبًا ولا طاعة ولا مما يحبه الله ويرضاه ولا هو عمل صالح ولا قربة إلى الله، ومن جعله من هذا الباب فهو ضال باتفاق المسلمين.

نعم: كانوا يأتون إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته ويطلبون منه الدعاء

(1) «الصارم المنكي في الرد على السبكي» 425، 426 بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت