كما قال عنها خالقها وبارئها: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف: 53] ، وحتى لا يخدع أحدنا نفسه فيظن الكلام موجه إلى غيره فينصرف ذهنه إلى الآخرين فينزه نفسه ويبرئها، وعلى النفس أن تعلم أن الدواء قد يكون مرًا إلا أن فيه الشفاء بإذن الله تعالى، وكذلك الحقيقة قد تكون ثقيلة على النفوس، والصراحة قد تكون مؤلمة للبعض؛ إلا أنه لا بد من ذلك القدر من المكاشفة والمواجهة مع هذه النفس والخلوة معها ومصارحتها حتى يعرف كل واحد منا نفسه ومدى صدقها - وإن كان ذلك قاسيًا عليك - فإن الأمر كما قال بعض الحكماء: «صديقك من صَدَقَكَ لا من صَدَّقَكَ» ؛ نعم فإن صديقك الحقيقي هو الذي يصارحك بخطئك ويهتم بأمور دينك أكثر مما يهتم بأمور دنياك، أما الذي يصفق لك في كل حين ويوافقك فيما تأتي وما تذر فهذا ليس لك بصديق؛ إنما هو مداهن ومصانع، وهو عدو لك في الحقيقة - وإن كانت هي نفسك التي بين جوانحك - وستنكشف لك هذه الحقيقة يوم القيامة؛ اليوم الذي يقول الله فيه: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ * يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} [الزخرف: 67، 68] ، ولكن ولات حين مندم.
فاسأل نفسك بصراحة بارك الله فيك: هل أعطيت كل ذي حق حقه؟ هل أعطيت الروح حقها فاهتممت بها وبتزكيتها كما أنك أعطيت الجسد حقه، أو أنك كنت من الذين يبخسون الروح حقها ويعظمون الجسد وملذاته؛ فتكون من الذين قال الله تعالى فيهم: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}