الصفحة 6 من 20

فلما قرأها أمر له بسبعمائة درهم ثم قلَّده عملًا يرتزق منه.

فيا عبد الله، اعلم رحمك الله أنه لا يأس من رحمة الله، وأنه إذا ضاق الأمر اتسع، وإذا اشتد الحبل انقطع، وإذا اشتد ظلام الليل داهمه ضياء الفجر فسطع {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5، 6] فمن حِِكَم الله وجود الضدين وهو عام في كل مكان وزمان؛ لأن لكل منهما أجل مسمى: العسر واليسر، والفرح والحزن، والكرب والرخاء، والصحة والسقم، والحياة والموت، والفقر والغنى، والنصر والهزيمة. وكتاب الله خير دليل على ذلك؛ فكم قصَّ الله علينا في القرآن عن الأمم والشعوب والأشخاص ومن الأحوال التي كانوا عليها ثم تبدلت، والسنة كذلك والتاريخ والحوادث والوقائع تحكي ذلك.

قال تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران: 179] وقال تعالى: {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 1، 2] فلولا هذه الابتلاءات ما عُرِفَ المؤمن الصادق من الذي في قلبه دخن، وأعظم درس في هذه السنة الربانية ما علمتنا إياه السيرة النبوية كما في غزوة الأحزاب {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب: 12] فمثل هذه الشدائد التي يقدرها الله تكشف عن الحقيقة الإيمانية وتجرد الإنسان أمام نفسه، فكل الناس يدَّعي الإيمان ولكن الدعاوى إذا لم يقم عليها أصحابها بينات يكن أصحابها أدعياء، فبهذه الشدائد تقف النفوس على حقيقة ما هي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت