خشية، ولا يغضب لنفسه، ولا ينتقم لها، وإنما يغضب إذا انتهكت حرمات الله عز وجل فحينئذ يغضب ولا يقوم لغضبه شيء حتى ينتصر للحق، وإذا غضب أعرض وأشاح.
وكان خلقه القرآن، وكان أكثر الناس تواضعًا، يقضي حاجة أهله، ويخفض جناحه للضعفة، وما سئل شيئًا قط فقال لا، وكان احلم الناس، وكان أشد حياء من العذراء في خدرها، والقريب والبعيد والقوي والضعيف عنده في الحق سواء.
وما عاب طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه، ولا يأكل متكئًا، ولا على خوانٍ [1] ويأكل ما تيسر، ولا يمتنع من مباح ما، وكان يحب الحلواء والعسل، ويعجبه الدُّبَّاءُ - وهو اليقطين [2] وقال: «نعم الإدامُ الخلُّ» [3] . «وفضل عائشة على النساء كفضل الثَّريد على سائر الطعام» [4] . وكان أحب الشاة إليه الذراع، وقال أبو هريرة - رضي الله عنه: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير، ويعني للعدم. وكان يأتي الشهر والشهران ولا يوقد في بيت من بيوته نار.
وكان يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة [5] ، ويكافئ على الهدية، ويخصف [6] النعل، ويرقع الثوب، ويعود المريض، ويجيب من دعاه من غني وفقير ودني وشريف، ولا يحقر أحدًا.
وكان يقعد تارة القرفصاء [7] وتارة متربعًا، واتكأ في أوقات، وفي كثير من الأوقات أو في أكثرها محتبيًا بيديه [8] ، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشراب بالإناء ثلاثًا خارج الإناء.
ويتكلم بجوامع الكلم، ويعيد الكلمة ثلاثًا لتفهم، وكلامه بيِّنٌ يفهمه من سمعه، ولا يتكلم من غير حاجة، ولا يقعد ولا يقوم إلا على ذكر الله تعالى، وركب الفرس والبعير والحمار والبغلة، وأردف معاذًا خلفه على ناقة وعلى حمار، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه. وعصب [9] على بطنه الحجر من الجوع، وكان يبيت هو وأهله الليالي طاوين [10] . وفراشه من أدم [11] ، حشوه من ليف، وكان متقللا من أمتعة الدنيا كلها، وقد أعطاه الله - تعالى مفاتيح خزائن الأرض كلها فأبى أن يأخذها واختار الآخرة عليها.
وكان كثير الذكر، دائم الفكر، جل ضحكه التبسم، وضحك في
(1) الخوان: كلمة معربة تطلق على ما ارتفع عن الأرض ليؤكل الطعام عليه. وقد روى البخاري (5386) .. عن أنس «أنه - صلى الله عليه وسلم - ما أكل على خوان قط» .
(2) وهو القرع، كما في القاموس.
(3) رواه مسلم: (2051) .
(4) رواه البخاري: (3770) ، (5419) ، (5428) ، ومسلم: (2426) ، وغيرهما.
(5) أي أنه يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة - صلى الله عليه وسلم -.
(6) أي يخرزه ويصلحه.
(7) قعدة القرفصاء: أن يجلس على أليتيه، ويلصق فخذيه ببطنه ويضع يديه على ساقيه.
(8) الاحتباء: أن يجمع ظهره وساقيه بيديه.
(9) أي ربطه وشده.
(10) أي جائعين.
(11) أي من جلد.