الصفحة 45 من 75

أوقات حتى بدت نواجذه، وهي الأنياب، ويحب الطيب، ويكره الريح الكريهة، ويمزح ولا يقول إلا حقًا ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان كما وصفه الله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [سورة التوبة الآية: 128] . وقال تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [جزء من الآية 103 سورة التوبة] .

وكانت معاتبته تعريضًا: «ما بال أناس يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله تعالى» [1] ، ونحو ذلك، ويأمر بالرفق، ويحث عليه، وينهى عن العنف، ويحث على العفو والصفح، ومكارم الأخلاق، ويحب التايمن في طهوره وتنعله وترجله وفي شأنه كله. وكانت يده اليسرى لخلائه، وما كان من أذى، وإذا نام أو اضطجع؛ اضطجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة.

وكان مجلسه مجلس حلم وحياء، وأمانة وصيانة، وصبر وسكينة. ولا ترفع فيه الأصوات، ولا (تؤبن) فيه الحرم أي: لا تذكر فيه النساء [2] ، (يتفاضلون) فيه بالتقوى، ويتواضعون ويوقر الكبار، ويرحم الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويحفظون الغريب، ويخرجون أدلة على الخير.

وكان يتألف أصحابه، ويكرم كريم كل قوم، ويوليه أمرهم، ويتفقد أصحابه، ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، ولا يجزي بالسيئة السيئة، بل يعفو ويصفح، ولم يضرب خادمًا ولا امرأة، ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى، وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا.

ودلائل كل ما ذكرته في الصحيح مشهورة، فقد جمع الله سبحانه وتعالى له - صلى الله عليه وسلم - كمال الأخلاق ومحاسن الشيم. وآتاه علم الأولين والآخرين [3] . وما فيه النجاة والفوز، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلم له من البشر، وآتاه (الله) ما لم يؤت أحدًا من العالمين، واختاره على جميع الأولين والآخرين. صلوات الله وسلامه [عليه] دائمين إلى يوم الدين.

ثبت في الصحيح [4] عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: «ما مسست ديباجًا ولا حريرًا ألين من كف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شممت رائحة قط أطيب من رائحة رسول الله، ولقد خدمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين، فما قال لي قط: أف، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته،

(1) رواه البخاري: (2155) ، (2563) ، ومسلم (1504) ، وغيرهما. وصح عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل: ما بال فلان يقول، ولكن يقول: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا» رواه أبو داود (4788) .

(2) أي مما لا حاجة لذكرهن فيه، ولا تذكر محاسنهن وأوصافهن، وما يسبب الفتنة بهن، أو الرغبة عن الزوجات.

(3) هذه العبارة فيها إجمال والمراد بقوله: آتاه علم الأولين والآخرين أي من علم الغيب الذي أطلعه الله عليه، كما قال سبحانه: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ... } الآية. وما لم يطلعه عليه فهو كسائر البشر، كما قال تعالى: {قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ ... } الآية. والصواب أن يقال كما قال سبحانه: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} الآية.

(4) صحيح البخاري: (3561) ، صحيح مسلم: (2309) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت