النعيم ما لا يقادر قدره ..
{لَهُمْ غُرَفٌ} ، أي منازل عالية مزخرفة، من حُسنها وبهائها وصفاتها أنه يُرَى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، ومن علوِّها وارتفاعها أنها تُرَى كما يُرَى الكوكب الغابر في الأفق الشرقي أو الغربي، ولهذا قال: {مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ} أي بعضها فوق بعض، {مَبْنِيَّةٌ} من ذهبٍ وفِضة، وملاطها المسك الأذفر ..
{تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} المتدفِّقة المُسقِية للبساتين الزاهرة والأشجار الظاهرة، فتغل بأنواع الثمار اللذيذة والفاكهة الناضجة {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ} ، وقد وُعِد المتَّقين هذا الثواب، فلابدَّ من الوفاء به فليوفوا بخصال التقوى ليفيهم أجورهم.
أمَّا عن أعلى أهل الجنة منزلة وأدناهم منزلة فقد أخبرنا عن ذلك الصادق والمصدوق عليه وعلى آله أفضل الصلاة والتسليم في حديث المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «سأل موسى ربَّه: ما أدنى أهل الجنة منزلةً؟ قال: هو رجلٌ يجيء بعد ما أُدخِل أهل الجنةِ الجنةَ فيُقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي ربّ، كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل مُلك مَلِكٍ من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت ربّ، فيقول: لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله، فقال في الخامسة: رضيت رب، فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذَّت عينك، فيقول: رضيت رب .. قال: ربّ، فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها، فلم ترَ عينٌ ولم تسمع أذٌن ولم يخطر على قلب بشر، قال: ومصداقه كتاب الله عز وجل: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ