"وَهْمٌ يغري به بروز أحد هذه الجوانب في لحظة وتوارى الجوانب الأخرى مؤقتًا وراء هذا البروز" (1)
وهنا في هذا الكتاب نبحث الموضوع من زاوية أخرى ، هي زاوية الثابت والمتطور في كيان الإنسان ، وطريقة الإسلام في معالجة النفس البشرية في هذا المقام .
إن الكيان البشري وحدة ..
وحقيقة إن فيه جوانب ثابتة وجوانب متطورة كما رأينا فيما سبق من البحث . أو فيه - على الأصح - صور متغيرة وجوهر ثابت .. ولكن عجيبة الإنسان الكبرى أن الثابت والمتطور فيه يكوّنان وحدة واحدة في النهاية ، مترابطة متماسكة متحدة ، لا يمكن فصل بعضها عن بعض .
العقل البشري يتطور .. ينمو على الدوام .. تجدّ له معلومات وخبرات وتصورات . ولكنه مع كل تطوره لا يقفز وحده خارج كيان الإنسان ، ويتطور بمفرده ، تاركا بقية النفس . وإنما يتطور وينمو وهو في داخل الإطار الكلي للإنسان ، سواء في ذلك الإنسان الفرد ، أو الإنسان المتجمع في صورة مجتمع .. وكذلك النتاج العلمي أو المادي لهذا التطور ، إنه ينمو على الدوام ، ولكنه لا يستقل بنفسه عن الكيان البشري ، وإنما يأخذ حيّزه - مع تطوره الدائم - في داخل الكيان الثابت الذي يتكون منه"الإنسان".
والنمو الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ، والنمو النفسي كذلك .. كل شيء ينمو ويتطور ، وهو في النهاية داخل في الكيان الثابت الذي لا تغير جوهرة التطورات ..
ومن هذا الخيط المزدوج يأخذ الإسلام الأمر ، وعلى أساسه يقيم نظامه للحياة البشرية .
"بسم الله الرحمن الرحيم . يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً" (2) صدق الله العظيم .
(1) دراسات في النفس الإنسانية ، فصل"طبيعة مزدوجة"
(2) سورة النساء [ 1 ] .