الصفحة 18 من 21

فأنا أدعوك ـ يرعاك الله ـ أن تتدبّر في قوله: (( أفنجعل المسلمين كالمجرمين ) ). وقوله: (( أم نجعل المتقين كالفجار ) ). وقوله: (( سواء محياهم ومماتهم ) ). يتبيّن لك أن الله فرّق بين الصنفين في الحكم الدنيوي والحكم الأخروي، لما لهم من تمايز في تحصيل الخير، وتحقيق صحيح السير، والانتخابات الكفرية ـ العصرية ـ تساوي بين المختلفين في العلم في إبداء الرأي وتحقيق المصلحة، وصحيح المصلحة لا يراها من قلبه يحوم حول الحش، كما يراها من قلبه يحوم حول العرش، والمساواة ـ في إبداء الرأي والمشورة ـ بين هذين المختلفين قدح في الشرع، وتعطيل للأصل والفرع؛ للصفات المختلفة في المختلفين، نعم الكل يتساوون في أداء الحقوق والواجبات، وتحقيق المصالح ودفع المظالم، لكن لا يتساوون في تحقيق الإمارة للقيام بتلك العهدة العينية؛ للاختلاف الموجود فيهم.

فوجب عليك ـ يرعاك الله ـ ومن معك، أن تقدموا من حباهم المولى ـ سبحانه ـ بالعلم الشرعي، للمجلس الشورى ولا تزاحموهم فيه؛ لتلك الخصلة المتوفرة فيهم، وهؤلاء بدورهم ولوحدهم ـ إن استطاعوا ـ أن ينصبوا عليهم أميرا من خيرتهم فعلوا وسارعوا إليهم، وإن تعذّر ذلك عليهم في الاختيار من هو الأصلح فيهم، فليجعلوا الأمور كلها في المجلس الشورى، ولا يتكون بالبدعة الكفرية وهي: الانتخاب، لأن لا سرّ في اختيار الأفضل، فإذا قدم الأفضل فلخصائصه الموجودة فيه، وليس لمحابات، والبدعة الكفرية تدخل عليها ذلك، ولهذا ترى الكفرة الفجرة في بدعتهم هذه يشرونها بالمال!! اهـ.

وتعليقا على هذه الفتوى نقول:

بالنسبة لكلام الأخ السائل نقول: إن اختيار مجلس الشورى في الأصل من مهمات الإمام، ولكن يشرع له أن يوكل أمر اختياره إلى من ينوبه من أهل العلم وأهل الحل والعقد، ولا دليل على منعه من ذالك.

واتخاذ مجلس الشورى لا يغني عن اتخاذ الأمير، فإذا وجد الاستعداد لتكوين مجلس شورى يصدر عن رأيه، فينبغي أن تجتمع الهمم على تنصيب أمير يكون فيصلا في حسم النزاعات ودرء الخلافات. امتثالا لما ورد في حديث أبى سعيد الخدرى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم» رواه أبو داود وغيره.

وأما بالنسبة للفتوى فهذه ملاحظات سريعة عليها:

أولا: عنوان الفتوى غير مطابق لمحتواها! فعنوان الفتوى هو:"هل يجوز انتخاب مجلس الشورى في الاسلام".

ويفهم من هذا العنوان أن الحكم المذكور في الفتوى يتعلق بانتخاب مجلس الشورى في الإسلام في كل الحالات بغض النظر عن الشروط والضوابط.

أما مضمون الفتوى فالشيخ عندما تحدث عن تحريم الانتخابات علل ذالك بوجود بعض المخالفات والمفاسد الشرعية التي نتفق معه على القول بحرمة الانتخابات في ظل وجودها.

لكنه لم يبين حكم الانتخابات في حالة عدم وجود هذه المخالفات والمفاسد.

وهذا يعني أن الشيخ استدل بحالة خاصة على حكم مسألة عامة!!

ثانيا: الأصل في البدعة الكفرية أن تكون مكفرة، والشيخ نسب الانتخابات إلى الكفر لكنه أقر بأنها غير مكفرة فقال: (والانتخاب بدعة كفرية ـ ليس كلّ من انتخب فهو كافر) !!

ثالثا: استند الشيخ في تحريم الانتخابات على أنها من سنن الكفار، فإذا كان مقصوده بالانتخابات مبدأ"تحكيم الشعب"فهذا بالفعل من سنن الكفار وهو مناقض للتوحيد وكل انتخابات تنطلق من هذا المبدأ فهي انتخابات شركية.

وإن كان مقصوده بالانتخابات عملية التصويت و فرز الأصوات ومعرفة رأي الأكثر مع تجريد ذالك كله من مبدأ"تحكيم الشعب"،فهذا الأمر لا دليل على حرمته لأن الأصل في الأشياء الإباحة، وقد ذكرنا سابقا أن هذا غير داخل في التشبه واتباع السنن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت