الصفحة 109 من 110

فلينظر"المسلمون"لحساب من توضع المبادئ والشعارات في الشيوعية، ولحساب من تنقض المبادئ والشعارات وقت اللزوم!

والمسلم لا يستمد معاييره من موقف هؤلاء القوم أو أولئك القوم .. إنما يستمد معاييره من الإسلام.

بقيت قضية العزلة عن العالم بسبب التعامل بعملة خاصة غير العملة التي يتعامل بها بقية الناس.

وجزء من هذه القضية صحيح بلا شك. فالعملة الإسلامية عملة خاصة من صنع الله سبحانه وتعالى، بينما بقية العملات من صنع البشر:

(صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ) [سورة البقرة: 138] .

أما العزلة -إن حدثت، وهي صعبة الحدوث في عالمنا المعاصر- فمن الذي يفرضها؟

لماذا يفرض علينا أن نترك عملتنا الخاصة، ونتعامل بعملة القوم، ولا يقبل القوم منا أن تكون لنا عملتنا الخاصة كما لهم هم عملتهم الخاصة؟

من المتعصب إذن؟

ولا شك أن وضع المسلمين هو الذي يحكم القضية ..

فيوم كانت للمسلمين قوة سياسية وقوة حربية وقوة مادية .. ويوم كانت لهم دولة مسموعة الكلمة ممكنة في الأرض .. كان للمسلمين عملتهم الخاصة، يعترف بها العالم كله راضيا أو كارها، وتجري في الأرض أمرا واقعا، ويشتريها من يشتريها، ويدعها من يدعها، ولكن لا يجرؤ أحد على عدم الاعتراف بها ..

فلما حادوا عن طريق الله، وجرت عليهم السنن الربانية التي لا تتبدل ولا تحابي أحدًا من البشر، زال التمكين الرباني عنهم، وصاروا غثاء كغثاء السيل .. ثم فرض الأعداء عليهم عملتهم، فتعاملوا بها كأنها عملتهم الخاصة!

والله لم يخرج هذه الأمة لتكون ذيلا للبشرية، وإنما لتكون في موضع القيادة والريادة والشهادة:

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [سورة البقرة: 143] .

ولقد أثرت الهزيمة الضخمة في نفوس المسلمين حين هزمهم أعداؤهم وهم غثاء كغثاء السيل لا جذور له تمسكه في الدوامة، فنسوا مهمتهم التي أخرجهم الله لها، وصاروا ذيلا للأمم، بل صاروا يلهثون وراء الذيل، يطلبون من العالم أن يتعطف عليهم بقبول لهاثهم وراءه حتى يلحقوا بالركب!

ولكن الله يقول للمؤمنين، حتى في هزيمتهم:

(وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [سورة آل عمران: 139] .

ونحن في هذا البحث لا نخاطب المنهزمين الذين فقدوا ذاتيتهم، والذين يحسبون أن أقصى ما يغنمونه من غنم في الحياة الدنيا أن تعترف بهم الجاهلية المعاصرة، وتسمح لهم باللهاث خلفها، ولا تطردهم من محيطها ..

إنما نخاطب الذين استردوا ذاتيتهم بالفعل، وعرفوا مكانهم الذي أخرجهم الله ليكونوا فيه .. وعرفوا أن هذا الدين هو الحق، وما خلاه باطل فاستمسكوا بالحق، ولم تفتنهم كثرة الخبيث:

(قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [سورة المائدة: 100] .

كتابة التاريخ البشري من زاوية الرصد الإسلامي ضرورة لازمة للأمة الإسلامية، وليست نافلة يمكن إسقاطها أو الاستغناء عنها، وليست كذلك عملا هامشيا يقوم به بعض الناس لتزجية أوقات الفراغ .. فراغ الأمة الإسلامية!

إنه ضرورة لتوحيد الشخصية المسلمة، وعدم تمزيقها بين دراسة ودراسة، وبين منهج ومنهج، وبين اتجاه واتجاه ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت