الصفحة 10 من 62

ثالثًا: مشروعية التعاقد على الخير بين المسلمين ووجوب الوفاء بذلك

قال تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود} (7) .

قال القرطبي: (قال الزجَّاج: المعنى أوفوا بعقد الله عليكم وبعقدكم على بعض وهذا كله راجع إلى القول بالعموم، وهو الصحيح في الباب. قال صلى الله عليه وسلم:(المؤمنون عند شروطهم) (8) وقال: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وان كان مائة شرط) (9) . فبين أن الشرط أو العقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله أي دين الله) (10) .

قال تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتًا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون} (11) .

قال القرطبي: (هذه الآية توجب على كل من ألزم نفسه عملا فيه طاعة أن يفي بها) (12) .

وقال ابن العربي: (فإن من التزم شيئا لزمه شرعًا - إلى أن قال - والصحيح عندي أن الوعد يجب الوفاء به على كل حال إلا لعذر) (13) ، وقال الشاطبي رحمه الله: (لو قال أحد للمفتي: إني عاهدت الله على الاّ أمسَّ فرجي بيميني، أو عزمتُ على ألا أسأل أحدًا شيئًا، وأن لا تَمَسَّ يدي يد مشرك وما أشبه هذا فإنه عقد لله على فعل فضل، وقد قال تعالى: {أوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} ومدح الله في كتابه الموفين بعهدهم إذا عاهدوا، وهكذا كان شأن المتجردين لعبادة الله، فهو مما يطلب الوفاء به ما لم يمنع مانع) (14) .

وقال أيضًا: (وأصل الإلزام معمول به شرعًا، أصله النظر والوفاء بالعهد في التبرعات) (15) .

فإن تعاهد نفر من المسلمين على القيام بواجب من واجبات الدين فإن هذا الواجب يتأكد في حقهم، لأنه وجب من جهة الشرع أولًا، ومن جهة تعاهدهم عليه ثانيًا. وإذا تعاهدوا على فعل فضل وتبرع من وجوه المستحبات أو المباحات صار واجبًا في حقهم بموجب العهد كالنذر.

قال شيخ الإسلام: (والذي يوجبه الله على العبد قد يوجبه ابتداء كإيجابه الإيمان والتوحيد على كل أحد، وقد يوجبه لأن العبد التزمه وأوجبه على نفسه ولولا ذلك لم يوجبه، كالوفاء بالنذر للمستحبات، وبما التزمه في العقود المباحة كالبيع والنكاح والطلاق ونحو ذلك إذا لم يكن واجبًا، وقد يوجبه للأمرين كمبايعة الرسول على السمع والطاعة له، وكذلك مبايعة أئمة المسلمين، وكتعاقد الناس على العمل بما أمر الله به ورسوله) (16) .

بل إن شيخ الإسلام ذكر مثالًا لما ينبغي أن تكون عليه صيغة العهد الخالي من العصبية المذمومة فقال: (يَحسُن أن يقول لتلميذه: عليك عهد الله وميثاقه أن توالي من والى الله ورسوله، وتعادي من عادى الله ورسوله، وتعاون على البر والتقوى، ولا تعاون على الإثم والعدوان، وإذا كان الحق معي نصرت الحق، وإن كنت على الباطل لم تنصر الباطل، فمن التزم هذا كان من المجاهدين في سبيل الله تعالى) (17) . والتعاهد والتعاقد والنذر كل ذلك أسباب يتعاطاها العبد تستلزم تغيير الحكم في حقه، والحكم في ذلك كله لله لا للعبد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت