الصفحة 9 من 62

ثانيًا: جواز التسمي باسم طائفة والانتساب إليها إذا خلا من الموانع

قال البخاري في كتاب المناقب: (( باب ما ينهى من دعوى الجاهلية) وذكر في الباب حديث جابر رضي الله عنه في اقتتال رجل من المهاجرين مع آخر من الأنصار فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين .. إلى آخر الحديث) (1) .

فقال ابن حجر رحمه الله: (دعوى الجاهلية: الاستغاثة عند إرادة الحرب، كانوا يقولون: يا آل فلان، فيجتمعون فينصرون القائل ولو كان ظالما، فجاء الإسلام بالنهي عن ذلك) ثم ذكر بعض طرق الحديث في مسلم وغيره فقال: (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أدعوى الجاهلية؟ قالوا: لا. قال: لا بأس، لِينْصُرِ الرجلُ أخاه إن كان مظلومًا، وإن كان ظالما فلْيَنْهَه فإنه له نصر) (2) .

قال ابن حجر بعد ذلك: (وعُرف من هذا أن الاستغاثة ليست حرامًا، وإنما الحرام ما يترتب عليها من دعوى الجاهلية) (3) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر الحديث: (إن المحذور إنما هو تعصب الرجل لطائفته مطلقًا فعلَ أهل الجاهلية، فأما نصرها بالحق من غير عدوان فحسن واجب أو مستحب) (4) .

وقال في مجموع الفتاوى: (بل الأسماء التي يسوغ التسمي بها مثل انتساب الناس إلى إمام كالحنفي و المالكي والشافعي والحنبلي، أو إلى شيخ كالقادري والعَدَوي، أو مثل الانتساب إلى القبائل كالقيسي واليماني، أو إلى الأمصار كالشامي والعراقي والمصري، فلا يجوز لأحد أن يمتحن الناس بها ولا يوالي بهذه الأسماء ولا يعادي عليها، بل أكرم الخلق عند الله أتقاهم من أي طائفة كان) (5) .

وقال أيضًا: (وأما لفظ الزعيم فإنه مثل لفظ الكفيل والقبيل والضمين، قال تعالى: {ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم} فمن تكفل بأمر طائفة فإنه يقال هو زعيم، فإن كان قد تكفل بخير كان محمودًا على ذلك، وإن كان شرًا كان مذمومًا على ذلك ... وأما رأس الحزب فهو رأس الطائفة التي تتحزب أي تصير حزبًا، فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان فهم مؤمنون لهم مالهم وعليهم ما عليهم، وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا مثل التعصب لمن دخل في حزبهم سواء بالحق أو الباطل، والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم سواء كان على الحق أو الباطل، فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله) (6) .

وكلام شيخ الإسلام ظاهر في أن الإنكار ليس على مجرد التسمي باسم طائفة والانتساب إليها، وإنما الإنكار على التعصب المطلق لها، أي في الحق والباطل أو جعل الولاء والبراء معقودًا على أساسها.

(1) عن عمرو بن دينار أنه سمع جابرًا رضي الله عنه يقول: (غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا، وكان من المهاجرين رجلٌ لعَّابٌ، فكسع أنصاريًا، فغضب الأنصاري غضبًا شديدًا حتى تداعوا، وقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال دعوى أهل الجاهلية؟ ثم قال: ما شأنهم؟ فأخبر بكسْعة المهاجري الأنصاري، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوها فإنها خبيثة) رواه البخاري في كتاب المناقب - باب ما ينهى من دعوى الجاهلية، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب - باب نصر الأخ ظالمًا او مظلومًا، والترمذي في كتاب تفسير القرآن باب سورة المنافقين وأحمد: 14673.

(2) رواه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب - باب نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا، عن جابر بن عبد الله، وأحمد: 13943.

(3) فتح الباري 6/ 546 - 547.

(4) اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ص 71 - 72.

(6) مجموع الفتاوى 11/ 92.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت