الصفحة 12 من 62

رابعًا: معاني الجماعة

تكلم كثير من أهل العلم (1) قديمًا وحديثًا عن معاني الجماعة التي ورد الأمر بلزومها في الأحاديث وهذه المعاني هي: السواد الأعظم - الصحابة - أهل العلم - أهل الإسلام - المسلمون المجتمعون على إمام.

ولما بينت بعض الأحاديث أن الجماعة هي الفرقة الناجية، علِمْنَا أن تفسير الجماعة (2) بأهل الإسلام لا يستقيم، لأن كافة الفرق داخلة في أهل الإسلام وإن كانت ضالة. (3) وبالنظر في معنى السواد الأعظم والصحابة وأهل العلم، نجد أنها ترجع إلى معنى واحد هو:

أهل الحق، فالمقصود بالسواد الأعظم الكثرة على عهد السلف لا على عهد من بعدهم، والصحابة كانوا أفضل مثال على أهل الحق، وأهل العلم لا يجتمعون على ضلالة، فترجع هذه المعاني كلها إلى معنيين هما: (أهل الحق، والمسلمون المجتمعون على إمام) (4) .

والذي يهمنا من ذلك كله هو موقف المسلم من الجماعة بأي المعنيين وُجِدَتْ، وهذا الموقف بيّنه حديث حذيفة رضي الله عنه وهو في الصحيحين وغيرهما (5) ، قال حذيفة: (كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: هم من بني جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تَعَض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) .

فالمسلم إما أن يجد خليفة على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمع عليه المسلمون، فواجبه لزوم جماعة المسلمين وإمامهم، وهذه أفضل الأحوال، وهي مثل ما كان عليه الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم، وإما أن يجد خليفة على بدعة لكنه يقيم الدين، ويجد كذلك جماعة من أهل العلم يلتزمون ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وينكرون البدع فواجب المسلم أن يلزم الخليفة، أي لا يخرج عليه بالسيف، لكن لا يطيعه في معصية الله، ويلزم جماعة الحق الداعين إليه، وخير مثال على ذلك موقف الإمام أحمد رحمه الله مع المأمون والمعتصم والواثق. وإما ألا يوجد خليفة، ولكن توجد جماعة على الحق، فعليه لزومها والعمل على نصب الخليفة، وإما ألا يوجد الخليفة ولا الجماعة، فواجب المسلم الدعوة إلى الحق وإقامة الجماعة، فإن عجز فعليه باعتزال الفرق الضالة حتى يأتيه الموت وهو على السنة.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: (الجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك) (6) ، وبذلك تعلم أنه إنما تشرع العزلة إذا فقد المرء الأعوان على الخير.

(1) ومن هؤلاء الإمام الشاطبي في كتاب الاعتصام2/ 260، وكذلك الحافظ ابن حجر في فتح الباري 13/ 35.

(2) الكلام هنا في معنى الجماعة التي ورد مدحها أو الأمر الصريح بلزومها، وإلا فقد جاء لفظ الجماعة بمعنى أهل الإسلام في قول النبي عليه الصلاة والسلام (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) متفق عليه.

(3) أي أن الفرق داخلة في الإسلام على الجملة وليست داخلة في معنى الجماعة الممدوحة أو المأمور بلزومها، فافترق معنى أهل الإسلام عن معنى الجماعة.

(4) انظر كتاب وجوب لزوم الجماعة تأليف جمال بادي ص87، وانظر كتاب جماعة المسلمين مفهومها وكيفية لزومها للدكتور صلاح الصاوي ص9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت